الشرق الأوسط : لوائح انتخابية تُموّل بالتبرعات وأخرى تستقطب أثرياء الاغتراب باسيل فرض ما بين 5 و10 ملايين دولار لقاء انضمام المقتدرين إلى لوائحه
 
صحف | المصدر :وكالات - 2018-04-25
لم تعد المعضلة الانتخابية بالنسبة للأحزاب والتيارات السياسية اللبنانية، مقتصرة على اختيار المرشحين من ‏محازبين وحلفاء، بقدر ما باتت تكمن في تأمين التمويل المالي للوائح الانتخابية، في ظلّ عاملين أساسيين، الأول ‏هو السقف المالي المرتفع الذي فرضه القانون الجديد، والثاني غياب التمويل الخارجي لمعظم الأحزاب كما كان ‏يحصل في السابق، باستثناء "حزب الله" الذي يعترف بتدفّق أمواله من إيران بشكلٍ دائم ومستمرّ‎.‎

هذا الواقع الجديد أتاح لرجال الأعمال والأثرياء الدخول إلى جنّة اللوائح الرئيسية، أو ما يعرف بـ"لوائح السلطة"، ‏التي تتوق لاستقطاب هؤلاء المتولين طمعاً بمساهمتهم في تمويل مصاريفها الانتخابية، في حين أن اللوائح التي لا ‏تتمتّع بثقل سياسي لا تستهوي الأثرياء، لأنها لا تؤمن حاصلاً انتخابياً لهم، يمنحهم فرصة الوصول إلى الندوة ‏البرلمانية، وتتقاطع مع قدرتهم على شراء بضع آلاف الأصوات التفضيلية بمبالغ مرتفعة، طالما أن القانون وفّر ‏لهم تغطية إنفاق عالٍ لا ينعم به مرشحو اللوائح الأخرى‎.‎ 


وإذا كان لدى بعض المرشحين أو رؤساء اللوائح اكتفاء ذاتي لدعم حملاتهم بقدرات ذاتية، مثل رئيس الحكومة ‏السابق نجيب ميقاتي في طرابلس، ورجل الأعمال فؤاد مخزومي في بيروت الثانية، فإن الأحزاب الكبرى تعاني ‏معضلة حقيقية، مثل التيار الوطني الحرّ الذي يخوض معركته بلوائح في كلّ لبنان، ويعتبر أن "المعركة موجعة ‏على الصعيد المالي بسبب أكلافها العالية". ويؤكد الوزير الأسبق ماريو عون المرشّح على لائحة التيار في دائرة ‏الشوف -عاليه، أن الحملات الانتخابية "تصرف من اللحم الحيّ، ومن جيوب المرشحين أنفسهم"، نافياً "أي ‏تمويل خارجي للتيار في هذا الاستحقاق‎".‎ 


وأشار عون إلى أن تياره "جمع بعض الأموال قبل الانتخابات، من خلال العشاء السنوي الذي يقيمه، والمناسبات ‏والندوات التي تحصل فيها تبرعات يوظّف التيار إيراداتها في الانتخابات". وقال القيادي في "الوطني الحرّ"، إن ‏التيار "طلب من كلّ مرشّح تأمين مبلغ معين، يصرف المرشّح نصفه على حملته الخاصة، مثل فتح المكاتب ‏الانتخابية وتعيين مندوبين وتأمين سيارات لنقل الناخبين إلى صناديق الاقتراع، والنصف الآخر يذهب للماكينة ‏الانتخابية في التيار، التي تتولى طبع الصور والترويج للمرشحين عبر دعايات انتخابية، في الإعلام وعبر ‏اللوحات الإعلانية في الطرقات"، مشيراً إلى أن بعض المرشحين لديهم أصدقاء ومعارف شخصيون، وربما ‏تأتيهم تبرعات خاصّة‎".‎ 


هذه المعلومات ناقضتها مصادر معارضة للتيار، حيث كشفت لـ"الشرق الأوسط"، أن رئيس التيار الوزير ‏جبران باسيل "فرض مبالغ عالية تتراوح بين 5 و10 ملايين دولار، سددها المرشحون الأثرياء لقاء انضمامهم ‏إلى لوائحه". وأعطت المصادر مثالاً على ذلك مرشحين في الشوف، وفي زحلة، وفي المتن، وفي كسروان، وفي ‏البقاع الغربي وغيرها‎.‎ 


بدوره اعترف ماريو عون بـ"وجود مرشحين متمولين في بعض لوائح التيار"، لكن لفت إلى أن هؤلاء "يمولون ‏حملاتهم الشخصية، وبالتأكيد لديهم القدرة على صرف مبالغ أكبر بكثير مما يصرفها زملاؤهم في نفس اللائحة"، ‏مؤكداً أن "لا صحة لما يروّح عن تقاضي التيار خمسة ملايين دولار أو أكثر من كلّ متموّل، نظير قبول ترشيحه ‏على لوائح التيار‎".‎ 


أما حزب "القوات اللبنانية" فيدير حملاته الانتخابية بمصادر تمويل خاصّة، ويؤكد رئيس جهاز الإعلام ‏والتواصل في "القوات اللبنانية" شارل جبور لـ"الشرق الأوسط"، أن حزبه "بدأ التحضير لهذه الانتخابات، منذ ‏أبرمت التسوية السياسية وجرى انتخاب رئيس للجمهورية، والتأكد من أن الانتخابات باتت حتمية". وقال ‏لـ"الشرق الأوسط": "لدينا قطاع اغترابي نشيط جداً، وهو يشكّل المتنفس المالي، وهذا القطاع ينظر إلى ‏الانتخابات كمسألة حيوية تستدعي تمويلاً كبيراً، وقد بدأ هذا القطاع مساهماته واستنفار كل طاقاته لدعم الحزب ‏مادياً ومعنوياً ولوجيستياً لإنجاح هذا الاستحقاق‎".‎ 


وسبق لرئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، أن قام بجولة خارجية على عدد من الدول الخليجية ‏والغربية، والتقى بالجاليات الموالية للحزب وحثّهم على المشاركة بفاعلية في الانتخابات. وأضاف شارل جبور: ‏‏"لدينا جسم اغترابي فاعل جداً، وتمكنّا خلال سنتين أن نؤمن سقفاً مالياً مقبولاً يتناسب مع حملتنا الانتخابية التي ‏تقتصر على محطة تلفزيونية واحدة‎ (MTV)‎، وصور ولوحات إعلانية محددة، ونحن نتحرّك ضمن هذا السقف ‏المضبوط إلى أقصى الحدود"، معتبراً أن "المغتربين المساهمين بتمويل حملة القوات هم محازبون ومناضلون ‏يؤمنون بقضيتنا ومشروعنا السياسي، وهم العمود الفقري للقوات اللبنانية، ويعتبرون تبرّعهم واجبا نضاليا‎".‎ 


ويبدو أن وضع "القوات" يتطابق مع وضع حركة "أمل" التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ شدد ‏قيادي في "أمل" على أن "مصادر تمويل الحركة يأتي عبر تبرّعات داخلية وخارجية". وأوضح لـ"الشرق ‏الأوسط" أن "كلفة الانتخابات محدودة وشبه ثابتة، وليس لدينا برنامج إعلانات مكثّف كباقي الأحزاب، وهذا ما ‏يخفف عن كاهل القائمة جزءاً كبيراً من الأكلاف"، مشيراً إلى وجود "عدد كبير من المرشحين على لوائح (أمل) ‏ليسوا محازبين إنما حلفاء وأصدقاء، مثل النائب ياسين جابر في النبطية، وأنور الخليل في حاصبيا - مرجعيون، ‏والنواب قاسم هاشم وأسعد حردان وميشال موسى، وكلّ عضو في لوائح (أمل) ساهم بجزء كبير من مصاريف ‏الحملة، وقدّم مبلغاً مقطوعاً إلى الماكينة الانتخابية". وأكد القيادي الذي رفض ذكر اسمه، على وجود "مئات ‏الأصدقاء في الداخل والخارج من المؤيدين سياسيا لـ(أمل)، وأصدقاء للرئيس نبيه بري، خصوصاً من أبناء ‏الجالية اللبنانية في أفريقيا"، نافياً "تلقي الحركة مال سياسي من أي دول خارجية‎".‎ 


ويعتمد تيّار "المستقبل" على تمويل حملات لوائحه بقدراته الذاتية، ومن إيرادات المؤسسات التابعة للتيار، ومن ‏رئيس الحكومة سعد الحريري شخصياً، وفق ما أكد مسؤول في ماكينة "المستقبل" الانتخابية لـ"الشرق ‏الأوسط"، الذي أشار إلى أن التيار "قلّص نفقاته الانتخابية إلى حدّ كبير مقارنة مع الدورات الماضية"، مشيراً ‏إلى أن "كلّ المرشحين يساهمون بمصاريف حملاتهم الانتخابية، مثل الدعاية الانتخابية والمكاتب وأجور ‏المندوبين"، معترفاً بأن "مساهمات المرشحين الأثرياء على لوائح التيار، لا تتعدى سقف الإنفاق المعقول، بمعنى ‏أن لا أحد يدفع الأموال لشراء الأصوات، لأن المؤمن بتيار (المستقبل) سينتخب مرشحيه‎".‎