الأخبار : باسيل والانتخابات وحقوق المسيحيين: الحقيقة بالمقلوب
 
صحف | المصدر :وكالات - 2018-04-30
منذ عام 2005، والانتخابات النيابية في لبنان تخاض بطريقة خاصة عند الجمهور المسيحي. طبيعة قانون ‏الانتخاب، والدوائر المفصلة على قياسات الزعامات الطائفية، تجعل العنصر الطائفي طاغياً في حالات كثيرة. ‏وفي لبنان، كان الأمر عبارة عن انتفاضة في الخيارات، بعد 15 عاماً من الحكم في ظل النفوذ السوري ـــ ‏السعودي، الذي أطاح التمثيل المسيحي لمصلحة نفوذ الزعامات الاسلامية‎. ‎

بين عامي 2005 و2009، توزع الناخب المسيحي بحرية كبيرة جداً، بين مجموعة خيارات حزبية وسياسية ‏ومناطقية. لكن الانقسام السياسي ظل محصوراً بين فريق 14 آذار بنسخته السعودية ـــ الاميركية، وفريق 8 آذار ‏وحلفائه، بنسخته السورية ـــ الايرانية. وقد ذاب حزبا الكتائب والقوات اللبنانية في المحور الاميركي ـــ السعودي ‏الى حدود خسارة الخصوصية، حتى إنهما قبلا بالحصص كما يقرّها الأخ المسلم الاكبر المتمثل بتيار المستقبل‎. 


التيار الوطني الحر اقترب كثيراً من الحلف المضاد. تماهى مع خطاب المقاومة والوقوف الى جانب الدولة ‏السورية في مواجهة المحور الآخر. لكن "التيار" حافظ على مسافة جدية مع العناصر المحلية للمحور المحسوب ‏عليه، ولا سيما في ما خصّ الواقع الداخلي في لبنان. وكان التباين بين "التيار" وأطراف بارزة في فريق 8 آذار، ‏من الرئيس نبيه بري الى النائب سليمان فرنجية وقوى أخرى، متمحور حول الانتخابات الرئاسية، وهو خلاف ‏استمر حتى لحظة فرز الاصوات في الجلسة النيابية التي انتخب فيها العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية‎. 


عملياً، اختلف الامر كثيراً بعد وصول عون الى بعبدا. عناصر الاختلاف برزت في سياسات التيار الوطني الحر. ‏صارت معركته المعنونة باستعادة حقوق المسيحيين، معركة خصومة مع مسيحيي ومسلمي 8 آذار على حدّ ‏سواء، إذ قرر "التيار" إنهاء أي علاقة مع النائب فرنجية وكل الشخصيات المسيحية القريبة منه أو القريبة من ‏الرئيس بري، كما قرر "التيار" إعلان ربط نزاع مع رئيس المجلس النيابي، معتبراً أنه "رمز الفساد" في البلاد‎.‎
‎ 
على أن الامر لم يقف عند هذا الحد. ذلك أن سلوك التيار الوطني الحر، خصوصاً رئيسه جبران باسيل، اتسم ‏بانتهازية كبيرة، نتيجة اعتباره أنه صار ممثل المسيحيين شبه الحصري داخل مؤسسات الدولة. فلا هو يقبل ‏بشراكة حقيقية مع بقية الاطراف المسيحية في ما يعرف بحصص الطوائف داخل الدولة ـــ وهنا، قرر إطاحة ‏تفاهمه مع القوات اللبنانية ـــ ولا هو أقام أصلاً أي وزن لاعتراضات الكتائب وشخصيات 14 آذار على ‏المحاصصة‎. 


في المقابل، وجد باسيل ـــ على وجه الخصوص ـــ أن تثبيت مرجعية "التيار" للمسيحيين في الدولة يتطلب تفاهماً ‏مع الشريك المسلم الأبرز في السلطة التنفيذية. وكان التفاهم ـــ التحالف مع الرئيس سعد الحريري على قاعدة أن ‏الأخير يحتاج إلى "التيار" في مسائل عدة، أبرزها ضمان بقائه في سدة رئاسة الحكومة، وهو، أي الحريري، ‏مستعد لأن يقايض ذلك بالتخلي عن كل حلفائه المسيحيين في 14 آذار، وهذا ما فعله، مستفيداً من الطفولية ‏السياسية التي أظهرها حزبا الكتائب والقوات في الفترة الاخيرة، و"تورطهما" في لعبة إقصاء الحريري التي ‏قادتها السعودية وفشلت في تحقيقها‎. 


اليوم، وفي ظل المعركة الانتخابية، وجد باسيل أن فكرة المرجعية المسيحية تتطلب ايضاً خوض معركة داخل ‏‏"التيار" نفسه، وهي ساحة المنازلة التي انتهت الى تشكيل لوائح انتخابية في كل لبنان، مع شخصيات من خارج ‏‏"التيار"، ومن خارج التفاهمات السياسية. وباعتقاد باسيل أن كل من وافق على الدخول في تحالف انتخابي معه، ‏إنما يقرّ له بالمرجعية. وهو رهان غير دقيق، وسوف تظهر الايام أنه خاطئ أيضاً‎. 


عملياً، الانتخابات حاصلة بعد نحو أسبوع من الآن، وسوف يدخل البرلمان 64 نائباً مسيحياً، بينهم مجموعة ‏سيصرّ "التيار" على القول إنها تمثل المسلمين أكثر منها تمثل المسيحيين، لأنها وصلت إلى المجلس عبر لوائح ‏انتخابية لا تخضع لسلطة "التيار" وإرادته، ما يعني أننا سنسمع لاحقاً أسطوانة تشكيك بكل نائب مسيحي وصل ‏الى المجلس من دون مساعدة أو موافقة التيار الوطني الحر. أما الفائزون في اللوائح المتحالفة مع "التيار"، فسوف ‏تكون غالبيتهم من الحلفاء أو الاصدقاء أو الشخصيات المستقلة (وبينهم عدد لا بأس به من المتموّلين)، بينما ‏سيتراجع كثيراً عدد القياديين الواصلين إلى المجلس النيابي، ممن هم من صلب التيار الوطني ورموز مسيرته ‏النضالية من الثمانينيات حتى يومنا هذا‎. 


كيف يدير باسيل هذه المعركة؟‎ 
في آخر إطلالة شعبية له من الجنوب (الزهراني، السبت الفائت)، وجّه باسيل، كعادته، تحية إلى المقاومة وسيدها، ‏واستذكر أن كثيرين "استشهدوا لنبقى"، ثم توجه، مباشرة، إلى أهالي المنطقة، بالقول: "لم يتمكنوا من الهيمنة ‏عليكم بالعسكر، ولن يهيمنوا بالسياسة، ومقاومة التيار اليوم هي من أجل الشراكة‎". 


من يقصد باسيل بالذين لم يتمكنوا من الهيمنة على أهل المنطقة بالعسكر ويسعون إلى هيمنة سياسية؟ وعن أي ‏عسكر يتحدّث؟ لماذا يتصرف باسيل دوماً كما لو أنه يقاوم قوى احتلال؟ أي شراكة تستقيم مع من يعتبرهم ‏محتلين؟ وللتذكير فقط: آخر عمل عسكري داخلي شهدته منطقة الزهراني مباشرة بعد اتفاق الطائف، ولم يكن ‏المسيحيون مستهدفين فيه. على العكس من ذلك، نظر المسيحيون بعين الرضا إلى العملية التي نفذها الجيش ‏اللبناني، بقيادة العماد إميل لحود، في تلك المنطقة، للانتشار وإجبار الفصائل الفلسطينية وحلفائها على الانكفاء إلى ‏داخل المخيمات الفلسطينية في صيدا! أما آخر معركة كان جزء من المسيحيين طرفاً فيها في المنطقة، فهي مغامرة ‏شرق صيدا، التي خاضتها القوات اللبنانية، بالتحالف التام مع جيش العدو الاسرائيلي. فعن أيّ هيمنة عسكرية ‏يتحدّث باسيل... وما هذه الخفة؟ وما هذا الخلط الكارثي للحقائق والتاريخ؟‎ 


يعرف باسيل قبل غيره أن حزب الله، ومن دون الحاجة الى معركة مع حركة أمل، خاض معركة "تحرير" ‏مقاعد قضاء جزين في الانتخابات النيابية الماضية. وحرص الحزب، في الانتخابات الفرعية التي جرت في عام ‏‏2016، ومن دون الوقوف على خاطر حليفه الرئيس نبيه بري، على أن تكون الغلبة لمرشحي التيار الوطني الحر. ‏رغم ذلك، لم يُقم بري الدنيا ولم يُقعدها‎. 
يقول باسيل: "لن نسكت عن حق سبعين ألف مواطن في الجنوب في اختيار ممثليكم، واحتجاجكم يجب أن تعبّروا ‏عنه في السادس من أيار لخلق واقع جديد يكسر الهيمنة‎"... 


الى من يتوجه باسيل بهذا الكلام؟ هل يعتقد أن اللبنانيين قد نسوا أنه (باسيل) نفسه الذي أصرّ على حصر الصوت ‏التفضيلي في القضاء، وبالتالي، وبمنطق باسيل الذي ينسب النائب إلى أبناء طائفته، تسبّب بشرطه هذا في حرمان ‏مسيحيي صور وبنت جبيل والنبطية وصيدا (والضنية والمنية) من القدرة على التصويت لمرشحين مسيحيين. فإذا ‏بباسيل يكرر، للمرة الثانية في الجنوب، معزوفة أن مسيحيي المنطقة محرومون من التصويت! من الذي حرمهم؟ ‏باسيل. لماذا تصوير الامر كما لو أن من يسميهم "قوى الأمر الواقع" أو "الساعين إلى الهيمنة" هم الذين أصرّوا ‏على هذا الشرط، فيما كانت إحدى مشكلاتهم مع وزير الخارجية عند مناقشة قانون الانتخاب تمسّكه بهذا المطلب ‏غير المنطقي وغير المحق؟
‎ 
ماذا حصل في جبيل في دورتي 2005 و2009؟ ألم يترك حزب الله وحركة أمل الملف لإدارة التيار الوطني ‏الحر؟ ألم يتركا له حق اختيار من يراه مناسباً لملء المقعد الشيعي في جبيل، ولم يجر، إذذاك، الوقوف عند خاطر ‏أحد، بما في ذلك العائلات التي تريد أن تختار هي من يمثلها؟ ثم عندما قرر حزب الله، وبالاتفاق مع حركة أمل، ‏اختيار ممثله في هذه الدائرة، في الدورة الحالية، ألم يأته الرفض أولاً من التيار الوطني الحر، ومن بعض القوى ‏المسيحية في القضاء؟ من أعطى هؤلاء حق رفض أو قبول مرشح، بينما هم يطالبون بـ"تحرير" تمثيلهم في ‏المناطق كافة؟ وهل قبِل حزب الله التحالف مع فارس سعيد في جبيل نكاية بالتيار الوطني الحر؟ وهل قبِل حزب ‏الله أصلاً التحاور الجدي مع "القوات اللبنانية" وهو يعلم أن بالإمكان إدارة حوار كما يجري الحال بينه وبين تيار ‏المستقبل، لكنه لم يفعل أبداً، لأجل ألا "يزعل" رئيس التيار الوطني الحر؟‎ 


نقطة أخيرة يكرّرها باسيل في الآونة الأخيرة، حتى باتت لازمة. كلما ذكر المقاومة، يتحدّث مباشرة عن الفساد ‏وضرورة إبعاده عن المقاومة. لا حاجة إلى دليل لمعرفة أن المقصود حركة أمل والرئيس بري على وجه التحديد. ‏حسناً، إذا كان باسيل يرى أن بري من أركان السلطة الذين تسبّبوا بالمشكلات الاقتصادية والمعيشية، فهل يخبرنا ‏عمّا يفعله هو (باسيل) بتحالفه مع سعد الحريري سليل العائلة المسؤولة عن مآسي البلاد الاقتصادية، والمدمرة لكل ‏ما له علاقة بالمؤسسات، والرافضة لفكرة الدولة ودور القطاع العام، والتي فتحت البلاد أمام أبشع عملية ‏خصخصة، والتي اتبعت سياسات مالية ونقدية أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم، وهي نفسها السياسة التي تستعد ‏اليوم لبيع ما بقي من القطاع العام ومن الملك العام، وحتى بيع النفط قبل استخراجه؟‎ 


ثم، هل باسيل يريد مواجهة الفساد وخوض معركة بناء الدولة، وهو يبني تحالفات انتخابية مع نعمة افرام ‏وسركيس سركيس وميشال ضاهر ونقولا شماس؟ هل هو يواجه الإقطاع السياسي في الشمال بأن يتحالف مع ‏ميشال معوض ضد سليمان فرنجية؟ وانه يريد تعزيز المناخ المدني في البلاد بأن يتحالف مع الجماعة الاسلامية ‏في صيدا ضد أسامة سعد؟ وقرر أن يواجه الاقطاع الجنبلاطي بالتحالف مع طلال أرسلان في الشوف وعاليه ‏والجنوب؟‎ 
ثمة أشياء غير مفهومة في خطاب باسيل وتحالفات التيار الوطني الحر. وثمة مبالغات تشي بقصور سياسي، ‏وتنتهي الى رفع مستوى التعبئة الطائفية والمذهبية في البلاد بصورة تعيدنا الى مربعات الثمانينيات. وفي هذه ‏الحالة، يصبح من المنطقي سؤال الشباب المسيحي: لماذا لا تنضوون في صفوف "القوات اللبنانية"؟