البناء: تمديد المهل أمام التشاور بين الثنائي والحريري لتحديد الاستشارات... وخيارات عدة انتفاضة نسائيّة بوجه الفوضى وقطع الطرقات من عين الرمانة والشياح إلى طرابلس برّي يدعو لعودة ودائع المصارف...
 
صحف | 2019-11-28
 تمدّدت المهل التي كان يجب أن تنتهي أمس، ويتحدّد على أساسها مصير التشاور مع رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري للتوافق على اسم مرشح لرئاسة الحكومة الجديدة بعدما سحب الحريري اسمه من التداول. وقالت مصادر متابعة إن الأولوية ستبقى لتحديد موعد للاستشارات النيابية بصورة تتيح الوصول إلى تسمية توافقية تضمن تذليل الكثير من العقد أمام تأليف الحكومة العتيدة، خصوصاً أن نوع الحكومة وتركيبتها ومواصفات الوزراء قد تمّ التوافق عليها قبل الوصول لشخص الرئيس المرتقب لها. وتوقعت المصادر أن يتبلور موقف الرئيس الحريري اليوم، أو في الغد على أبعد تقدير، مرجّحة أن تكون الاستشارات النيابية مطلع الأسبوع المقبل. وقالت المصادر إن اسم المهندس سمير الخطيب لا يزال في التداول متقدماً على سواه، رغم ورود اسماء جديدة من أوساط الرئيس الحريري منها اسم الوزير السابق رشيد درباس. 



بالانتظار كان المشهد الداخلي يتوزّع بين بعدين، الأول هو الوضع الأمني على خلفية المخاوف التي أثارتها أحداث أول أمس، خصوصاً بتنقلها من الشياح وعين الرمانة إلى بكفيا وانتهاء بطرابلس. وجاءت الانتفاضة النسائية التي انطلقت من الشياح وعين الرمانة رفضاً للفتنة والفوضى والحرب الأهلية، أول جواب عملي شعبي على قطع الطرقات، الذي جرى تسويقه لأكثر من شهر كعمل من أعمال الحراك الشعبي الضاغط قبل أن تظهر نتائجه الكارثية ويطلق بسبب تداعياته مسارات خطيرة من المواجهات في الأحياء والمناطق، ومثل الشياح وعين الرمانة خرجت النسوة في طرابلس لاستنكار ما تعرّض له الجيش ليل أمس الأول في المدينة، وما لحق بالمؤسسات التجارية من تخريب، واستقطبت الانتفاضة النسائية الكثير من التعليقات والمواقف المؤيدة التي رأت فيها تعبيراً أصيلاً عن رفض اللبنانيين للفتنة ورادعاً شعبياً لمشاريع التحريض الطائفي. 


البعد الثاني تمثل بالشق الاقتصادي والمالي، الذي تصدره تسجيل الدولار سعراً قياسياً في شبابيك الصرافين تخطى الـ 2200 ليرة لكل دولار، وترافق هذا الجنون في التسعير جنوناً موازياً في أسعار السلع، ودعوة للإضراب من قبل نقابة أصحاب محطات البنزين مطالبة بتسديد موجباتها بالليرة اللبنانية، وصدرت دعوات للدولة ومؤسساتها لمنع التداول بغير الليرة اللبنانية، بينما دعا رئيس مجلس النواب المصارف إلى إعادة ودائعها التي تبلغ عشرات مليارات الدولارات إلى لبنان، فيما كان اللافت تراجع الهيئات الاقتصادية عن دعوتها للإضراب السياسي الذي رفضته المؤسسات الاقتصادية واعتبرته استغلالاً سياسياً لا يصبّ في مصلحة القطاعات الاقتصادية، فيما قررت المصارف فتح أبوابها للعمل اليوم، ومثلها المدارس بعد أيام كانت وزارة التربية وجمعية المصارف تدعوان للإقفال. 


سُجل يوم أمس هدوءٌ لافتٌ على جبهات الشارع والمحاور بعد ليل ساخن وضع لبنان على شفير الفتنة الأهلية، إلا أن المشهد أمس، سجّل تبريداً للأجواء المحتقنة بجهود سياسية وحزبية وشعبية وعسكرية لا سيما في منطقة الشياح عين الرمانة. 


فقد نظّمت سيدات وأمهات عين الرمانة والشياح بعد أمس، مسيرة رفضاً للعودة الى الحرب الأهلية وللفتنة بمشاركة حاشدة من المنطقتين. وقد حمل المشاركون بالمسيرة الورود البيضاء والأعلام اللبنانية ولسان حالهم:" ما رح نرجع للحرب الأهلية". 


ودعت مصادر قياديّة في حركة أمل وحزب الله مناصريها وجمهورها الى عدم الانجرار خلف الإشاعات وضبط النفس وعدم القيام باستفزازات وردّات فعل تجنباً لأي احتكاك وانزلاق نحو الفتنة. وتبين أن الفيديو الذي تناقلته بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الواتسآب قديم. 


وأشار عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب ابراهيم الموسوي على "تويتر" قائلاً: "رفع الشعارات المذهبية مثل شيعة شيعة ، أو أي شعار مذهبي آخر أمر مستهجن جداً، بالتأكيد لا يفيد المذهب بل يمكن أن يضرّه أيضاً، لقد كان الأداء الشيعي قولاً وفعلاً وتضحيات، راقياً دوماً، وتوحيدياً على المستويين الإسلامي والوطني، وأخلاقياً وإنسانياً بامتياز أيضاً، فلنحفظه كذلك!". 


وفي هذا السياق، أكد الوزير السابق كريم بقرادوني لـ"البناء" أن "لبنان لن يعود الى الحرب الأهلية الذي شهدها في السبعينيات والثمانينيات. فالتوازنات الداخلية تمنع ذلك والوضع الإقليمي والدولي يختلف عما كان في السابق"، مشيراً الى أن "لا الأحزاب السياسية تريد العودة الى الحرب ولا المواطنون من كل الطوائف، فضلاً عن أن وجود حزب الله يشكل ضمانة لمنع ذلك، إضافة إلى وجود رئيس جمهورية كالرئيس ميشال عون وجيش لبناني وطني". ولفت إلى "أن لا علاقة لما حصل بين التيار والكتائب في بكفيا وبين أمل والقوات في الشياح عين الرمانة، مشيراً الى أن "ما حصل أمس من تهدئة للأجواء يؤكد بأننا بعيدون عن الفتنة". 


ومع تراجع سخونة الشارع، تقدّمت المشاورات السياسية قبيل تحديد موعد الاستشارات التي قالت مصادر بعبدا لـ"البناء" بأنها ستحدّد خلال 48 ساعة ويجري التشاور مع الكتل السياسية كافة ولا سيما الرئيس سعد الحريري لتأمين الدعم السني للاسم المتداول، وهو رئيس مجلس إدارة شركة خطيب وعلمي المهندس سمير الخطيب، ليتمّ بلورة الاتفاق على شكل الحكومة وعناوين برنامجها. 


وردّت أوساط سياسية في التيار الوطني الحر عبر قناة "أو تي في" على بيان الحريري الأخير، بالقول إن "إعلان الحريري عدم رغبته في أن يُسمّى رئيساً للحكومة لا يلغي كونه يمثل القوة السنية الوازنة في البلاد، وهذا ما يحمله مزيداً من المسؤولية لتسهيل عملية التكليف والتأليف، علماً أن بيانه أمس، أوضح قبوله بالتكليف على قاعدة حكومة تكنوقراط وتأييده لشخص آخر على قاعدة حكومة تكنو سياسية. وبالتالي، تتابع الأوساط، ينتظر من الحريري ترجمة هذا التأييد سريعاً وبمصداقية للبدء بالاستشارات الملزمة، مع الاشارة إلى أن كلامه يدل بصراحة الى انه منخرط في التشاور السياسي القائم قبل الاستشارات الملزمة، وهو ما يؤكد الأسباب الموجبة للتأخير بالدعوة إليها، وينفي أي سبب للحملات سياسية على خلفية تأخيرها". وشدّدت الاوساط على أن رئيس الجمهورية ليس مجرد علبة بريد لجمع أصوات النواب، بل هو شريك دستوري فاعل في عملية تأليف الحكومة، فنحن في نظام ديمقراطي توافقي والدستور أعطى رئيس البلاد الحق في تقدير الوقت المناسب لإجراء الاستشارات الملزمة كي تفضي إلى تشكيل حكومة تنقذ البلاد، وليس إلى الدخول في أزمة مفتوحة". 


وحضرت التطوّرات المتسارعة في لبنان في مؤتمر صحافي لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، إذ قال إن محادثاته تركزت مع نظيريه الفرنسي والبريطاني في باريس على الوضع السياسي والاقتصادي في لبنان، وجرى الاتفاق على ان هناك حاجة ملحة للقادة السياسيين لتشكيل حكومة قادرةٍ وسريعةِ الاستجابة، تحصل على دعم الشعب اللبناني المصرّ على تنفيذ الإصلاحات وإنهاء الفساد المستشري. 


الى ذلك قرّرت الهيئات الاقتصادية تعليق الإضراب العام الذي كان مقرراً اليوم وغداً وبعد غد، على ان تعقد اجتماعاً مطلع الأسبوع المقبل لاتخاذ الخطوات المناسبة. وعُلم أن مجلس ادارة جمعية المصارف الذي اجتمع أمس قرّر ايضاً عدم الإضراب واعتبار اليوم يوم عمل عادياً. ما دفع بمراقبين للتساؤل: هل لعزوف الهيئات والمصارف عن الإضراب علاقة بعزوف الحريري عن التكليف؟ وإذا صح ذلك هل كانت هذه المصارف والهيئات تمارس الضغوط والابتزاز بالإضراب لتحسين موقف الحريري التفاوضي في الملف الحكومي؟ 


فيما كان لافتاً إعلان نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان الإضراب المفتوح ابتداء من اليوم على كامل الأراضي اللبنانية. 


وحملت مصادر سياسية مصرف لبنان والمصارف والصرافين مسؤولية تردي أزمة الدولار والمحروقات والمواد الغذائية والطبية، داعية الحكومة الى اتخاذ خطوات سريعة لحلها. هذا الواقع أثار غضباً شعبياً ما دفع بمجموعات شعبية ومن الحراك للدعوة الى اعتصام حاشد اليوم أمام مصرف لبنان في الحمرا. 


وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري وجّه رسائل عدة لا سيما للحريري وللمصارف، معتبراً أن الأمر بمنتهى الخطورة ولا مجال للترف مستغرباً عدم قيام الحكومة المستقيلة بواجباتها، سائلاً ألا تفرض الضرورات اجتماع الحكومة لتسيير امور البلاد والعباد بدلاً من أن تبقى معلقةً في الهواء الطلق، مطالباً بعودة أموال البنوك الى لبنان التي ارسلت الى الخارج والتي تقدّر بمليارات الدولارات مؤكداً ان الوضع الاقتصادي قابل للتحسن بمجرد وجود حكومة. لافتاً الى انه يحق لفخامة رئيس الجمهورية دعوة المجلس الأعلى للدفاع للانعقاد لان الشأن الاجتماعي والاقتصادي خطير. 


وخلال لقائه نواب الاربعاء في عين التينة قال بري أمام النواب: إن الجميع في لبنان معنيّ بالحفاظ على قيم الديمقراطية التي ترتكز على الحوار، فلا يجوز تحت أي عنوان ممارسة الديكتاتورية، لا في الشارع ولا في المؤسسات، وإن حماية هذه القيم تكون بالمحافظة على المؤسسات وليس بشلّ أدوارها أو تعطيلها . 


وردّ مصدر مقرّب من الحريري على بري وقال لـ مستقبل ويب حكومة تصريف الأعمال تقوم بواجباتها بمتابعة الملفات الاقتصادية والأمنية وإحصاء الأضرار التي نجمت عن حوادث بيروت وطرابلس وسواهما، وفقاً لما ينص عليه الدستور وبعيداً عن الضجيج الإعلامي ومحاولات استفزاز التحركات الشعبية وكأن شيئاً لم يكن في البلاد منذ 17 تشرين ."