الجمهورية: مشاورات لإتمام توافقات قبل الإستشارات.. وموعدها يثير التباسات
 
صحف | 2019-12-05
بعد نهار حفل بالاتصالات والسجالات على مختلف المستويات وبلغ ذروته في السجال الدستوري والسياسي بين رئاسة الجمهورية ورؤساء الحكومة السابقين، حدّد موعد استشارات التكليف الحكومي الاثنين المقبل في وقت لم يهدأ الحراك الشعبي في الشارع منذ الصباح وحتى الليل، منذراً بجولات جديدة من التصعيد، حيث بدأ يرفع صوت الإعتراض على أداء المعنيين بالتكليف والتأليف شكلاً ومضموناً، خصوصاً انّ تحديد الاثنين المقبل موعداً للاستشارات جاء في رأس المراقبين ملتبساً، لأنه لو كان هناك فعلاً اتفاق ناجز على المرشح سمير الخطيب لرئاسة الحكومة لكانت أُجريت هذه الاستشارات اليوم لا الاثنين، لأنّ البلاد المأزومة سياسياً واقتصادياً ومالياً متعطشة لمعالجة فورية تمنع الانهيار.

 وحسب مصادر معنية مشاركة بالتحضير لإنجاز الاستحقاق الحكومي تكليفاً وتأليفاً، فإنه ينبغي ان تحسم في الايام الفاصلة عن موعد الاستشارات كل الاشكالات والمعوقات المتبقية في طريق هذا الاستحقاق، خصوصاً انّ فريقاً واسعاً من الاوساط السياسية ما زال يشكّك في إمكان وصول الخطيب الى مرتبة التكليف فالتأليف، لأنّ رئيس الحكومة سعد الحريري لم يصدر بياناً رسمياً بعد بتأييده، لأنه كان قد اشترط أمام "الخليلين" لإصداره أن تسبقه الدعوة الرئاسية الى استشارات التكليف، وقد وجّهت هذه الدعوة أمس، علماً انه كان قد التقى الخطيب بعد ظهر أمس وأبلغ اليه أنه يدعم ترشيحه. 


مع تحديد موعد الاستشارات الملزمة الاثنين المقبل، يمكن القول انّ خطوة رئيسية قد تحققت في طريق إنهاء الازمة الحكومية القائمة وتشكيل حكومة جديدة، الّا انّ هذه الخطوة، على إيجابيتها، تدفع الى طرح علامة استفهام حول توقيتها، وقبل 5 ايام من موعد بدئها الاثنين المقبل. واذا كانت هذه الخطوة ايجابية من حيث الشكل، فإنّ إبعاد الاستشارات لـ5 ايام يطرح الآتي:
- أولاً، تحديد الاستشارات يفترض انه يستبطن توافقاً سياسياً ما حولها، فلماذا لم تُحدد اليوم أو غداً أو بعده؟
ـ ثانياً، هل انّ تحديد موعدها الاثنين المقبل، يؤشّر الى انّ التوافق على اسم الشخصية التي ستكلّف تشكيل الحكومة لم ينجز نهائياً بعد (على رغم انّ اسم المهندس سمير الخطيب هو الوحيد في نادي المرشحين لرئاسة الحكومة)؟
- ثالثاً، هل هدف رئيس الجمهورية من خلال تحديد موعد الاستشارات الى الضغط على القوى السياسية، او تحديداً على فريق الرئيس سعد الحريري لحسم أمره نهائياً، وتحديد خياره امّا نحو عودته الى رئاسة الحكومة، وإمّا عبر التبنّي العلني لمرشح معيّن (الخطيب)؟
- رابعاً، اذا لم يكن التوافق على اسم المرشح موجوداً، فعلى اي صورة ستبدأ الاستشارات وتنتهي الاثنين المقبل؟
- خامساً، ماذا عن الشارع مقابل تحديد موعد الاستشارات؟ هل ثمة من يضمن الوجهة التي سيسلكها من الآن وحتى الاثنين المقبل؟ 


الملاحظ انّ تحديد موعد الاستشارات جاء عقب حركة اتصالات مع الحريري تولّاها الثنائي الشيعي، ولمسَ خلالها الوزير علي حسن خليل والحاج حسين خليل منه ليونة حول اسم سمير الخطيب، وكذلك حيال مشاركته في الحكومة التي ستتشكّل. علماً أنّ هذه الليونة بقيت محل شك، ربطاً بالكلام الصادر عن الحريري في دردشة مع الصحافيين أمس الاول، وقوله فيها إنه يدعم ترشيح الخطيب ولن يشارك في الحكومة؟ 


كما انّ تحديد موعد الاستشارات جاء على أثر الاشتباك السياسي العنيف الذي دار بين رئاسة الجمهورية ورؤساء الحكومات السابقين، والذي توضّحت معه المعركة السياسية القائمة حول الحكومة، والتي بَدت في جوهرها "معركة حول الصلاحيات"، علماً انّ الاوساط الرئاسية ترسم علامة استفهام تشكيكية بما وَصفته "رؤساء الحكومات" أنفسهم كرأس حربة في عملية إحباط التفاهمات التي تحصل حول بعض الاسماء المرشحة لرئاسة الحكومة. 


لحظة حرجة
وقالت مصادر متابعة لـ"الجمهورية"، انّ خطوة رئيس الجمهورية بتحديد موعد الاستشارات إيجابية في شكلها، الّا انها جاءت في لحظة حرجة سياسياً، وعلى مستوى الشارع، حيث انّ الفترة الفاصلة من الآن وحتى الاثنين المقبل هي فترة حرجة، وهي مفتوحة على شتى الاحتمالات، إضافة للتحركات في الشارع حيث يبدو أنّ مجموعات الحراك الشعبي تحَضّر نفسها لخطوات تصعيدية. 


وفي هذه الاثناء عكست أجواء عين التينة ترحيباً بتحديد موعد الاستشارات، فهذا معناه أننا قطعنا نصف المسافة، على أمل ان يقطع الاسبوع المقبل النصف الثاني بتكليف رئيس الحكومة وايضاً تأليف الحكومة الجديدة، التي كما بات معلوماً صارت حاجة أكثر من ضرورية، لتبدأ مسيرة الإنقاذ لبلد بلغ أسوأ درجات احتضاره الاقتصادي، علماً انّ المسؤولية في هذا المجال تقع على الجميع بلا استثناء للمشاركة في عملية الانقاذ. 


كيف حدد موعد الإستشارات ولماذا التوقيت؟
وفي السيناريو الذي قادت اليه التطورات وحصيلة المشاورات في لقاءات الساعات الماضية وصولاً الى تحديد موعد الإستشارات، رَوت مصادر واسعة الإطلاع عبر "الجمهورية" ما حصل، فقالت: أثناء اللقاء الذي جمع الحريري والخليلين ليل الثلاثاء ـ الأربعاء ولفترة قصيرة، أصرّ ممثّلا "الثنائي الشيعي" على الحريري لتقديم جواب نهائي على موضوعين متلازمين: الأول، هل تريد أن تسمّى لتأليف الحكومة؟ والثاني، إذا لن تريد ذلك فمن تسمّي؟ 


وأضاف الخليلان: "نحن معك في ما تقرر، وما نتمناه كما طلبنا سابقاً ان يكون موقفك نهائياً وواضحاً وصريحاً، فنحن نعرف انك تلتزم بما تقوله؟". 


تردد الحريري بداية، ولكنه انتهى وبعد مناقشات محدودة الى القول: "لن اقول الكلمة الفصل، ولن يكون لي اي موقف نهائي قبل توجيه رئيس الجمهورية الدعوة الى الإستشارات النيابية الملزمة". 


وعندما نقل هذا الجو الى رئيس الجمهورية صباح امس بوسيلة من الوسائل، طلب إطلاق التحضيرات اللازمة لتحديد موعد هذه الإستشارات، وهو ما حصل في وقت لاحق من بعد ظهر أمس. 


وفي معلومات لـ"الجمهورية" انّ الحريري، وكما أعلن سابقاً، يستعد لدعوة كتلة نواب "المستقبل" الى لقاء استثنائي للبحث في هذا الموضوع، وهو ما دفع ببعبدا الى إعطاء مهلة الأيام الخمسة الفاصلة عن موعد الاستشارات لتكون كافية لبلورة المواقف ممّا هو مطلوب تكريسه في الاستشارات، ليُبنى على ما تكون عليه المواقف في هذه الفترة مُقتضاه. 


وفي حال لم تجر الرياح بما تشتهيه سفينة الإستشارات في شأن عودة الحريري او استمرار المضي في ترشيح الخطيب، قالت المصادر المطّلعة: "انّ ما اعتمد في ترتيب مواعيد الإستشارات دَلّ الى انّ الترتيبات اتخذت لمواجهة أي طارىء، فإن تم الإجماع على الحريري لعودته الى السراي الحكومي او على الخطيب ليكون البديل الوحيد من دون أي منافس تجري الأمور بشكل طبيعي. واذا حدثت مفاجآت، فإنّ وضع كتلتي "التنمية والتحرير" و"لبنان القوي" في نهاية برنامج الإستشارات يعطي إشارة الى انّ هناك قدرة على تصحيح اي معادلة مفاجئة، فترك ما يقارب 42 صوتاً الى نهاية المشاورات يمكنه ان يقلب الطاولة على أي سيناريو مفاجىء، وربما ظهر إسم بديل من الحريري والخطيب في اللحظات الأخيرة. 


وفي وقت لاحق من ليل أمس، فسّرت مصادر قريبة من رئيس الجمهورية الدعوة الى الاستشارات والمهلة التي أعطتها حتى الإثنين، فقالت انها لمنح جميع المشاركين في الاستشارات فرصة إضافية للتشاور في ما بينهم ككتل نيابية وغيرها لتسهيل التأليف بعد التكليف، ولتأتي المواقف واضحة وأكثر ثباتاً فلا يتخذ أحد قراراً متسرعاً". 


واضافت هذه المصادر: "لقد انتظرنا طوال هذه الفترة لإتمام عملية دستورية كاملة المواصفات، ولتكن الأيام الخمسة الفرصة المقبلة لمراجعة المواقف النهائية والتثبّت منها، فقد أكد الرئيس الحريري تأييده لسمير الخطيب، واكد انه سيشارك في الحكومة المقبلة بوزراء من الاختصاصيين، والموقف نفسه اتخذه "الثنائي الشيعي" والى جانبه "التيار الوطني الحر"، وهو ما يضمن وجود القوى الأربعة الكبرى الى جانبه ويوحي بإمكان عبور هذه المرحلة بنحو نهائي وطبيعي". 


بين الرئاسة و"الرؤساء"
وكان قد اندلع سجال دستوري وسياسي بين رئاسة الجمهورية ورؤساء الحكومة السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام، الذين أصدروا بياناً عبروا فيه عن "استهجانهم لاتصالات جارية لتحديد شكل الحكومة العتيدة ومكوناتها، تتضمن إجراء امتحانات، بعضها استعراضي وبعضها الآخر يجري في غرف مظلمة، ويقوم بها من هو غير مخوّل دستورياً لذلك، من أجل اختيار رئيس الحكومة المكلّف وقبل إجراء الاستشارات النيابية الملزمة. وهذا يعني مخالفة صريحة للدستور وللأعراف الميثاقية في لبنان". وقالوا: "صحيح أنّ الدستور لا يحدد موعداً زمنياً لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة، لكنّ روح الدستور، وتحت وطأة الأوضاع الوطنية والنقدية والمعيشية الدقيقة والصعبة، تفرض على فخامة رئيس الجمهورية، الذي هو المسؤول الأول في البلاد، المسارعة لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة للتكليف، وبعدها إبداء الحرص الشديد على تذليل العقبات وتقديم التسهيلات اللازمة للتعجيل في تأليف الحكومة". 


رد رئاسي
وردّ المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية على بيانٍ رؤساء الحكومة السابقين، فقال: "لو أدرك الرؤساء السابقون ما كان سيترتّب على الإسراع في إجراء الاستشارات النيابية الملزمة من انعكاسات سلبية على الوضع العام في البلاد وعلى الوحدة الوطنية والشرعية الميثاقية، لَما أصدروا هذا البيان وما تضمّنه من مغالطات". 


واعتبر أنّ "التشاور الذي أجراه رئيس الجمهورية لا يشكّل خرقاً للدستور ولا انتهاكاً لاتّفاق الطائف، لا بنصّه ولا بروحه، خصوصاً أنّ الدستور المنبثق من هذا الاتفاق لا يحدّد مهلة زمنية لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة، كما لا يحدّد مهلة للرئيس المكلّف حتى ينجز تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية". وأشار إلى أنّ "رئيس الجمهورية هَدف، من خلال الإفساح في المجال أمام المشاورات بين الكتل النيابية، الى تأمين تأييد واسع للرئيس المكلّف ما يسهّل عليه تشكيل الحكومة، وذلك في ضوء التجارب المؤلمة التي حصلت في أيّام أصحاب الدولة الذين أصدروا البيان اليوم (أمس)". 


"القوات"
ويلتئم تكتّل "الجمهورية القوية" الخامسة والنصف بعد ظهر اليوم في معراب، لتحديد موقفه من التطورات الجارية. وقالت مصادر "القوات اللبنانية" لـ"الجمهورية" انه ستكون هناك "كلمة قويّة" سياسية لرئيس حزب "القوات" الدكتور جعجع "بالنسبة للأوضاع التي وصلت اليها البلاد من انهيارات على كافة الصعد المعيشية والمطلبيّة والانتحارات"... 


ولفتت مصادر "القوات" الى "أنّها لا يمكن أن تكلّف الّا من يؤلف حكومة اختصاصيين مستقلين، وأي حكومة خارج هذا السياق ستكون حكومة نسخة طبق الأصل عن الحكومات السابقة بوجوه وأسماء مختلفة، ونتائجها ستكون مدمّرة على البلد ولن تحظى بثقة الناس". 


خفض الفوائد لماذا؟
وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي، وتنفيذاً لما تمّ الاتفاق عليه في اجتماع بعبدا المالي الأخير، أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أمس تعميماً طلب فيه من المصارف "التقيّد بالحدّ الأقصى لمعدّل الفائدة الدائنة على الودائع التي تتلقاها أو تقوم بتجديدها بعد تاريخ 4 كانون الاوّل 2019 بنسبة 5 في المئة على الودائع بالعملة الأجنبية و8,5 في المئة على الودائع بالليرة اللبنانية". كذلك أشار التعميم الى انّ تسديد الفوائد على الودائع بالعملات الاجنبية سيحتسب 50 في المئة بعملة الحساب و50 في المئة بالليرة اللبنانية. 


ويساهم هذا التعميم في تخفيف الضغط على المصارف وعلى مصرف لبنان، وفق ما يشرح الخبير الاقتصادي غازي وزني لـ"الجمهورية"، موضحاً أن التعميم "قد يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية"، ومتوقعاً ان يكون الخفض أمس "بمثابة خطوة اولى ستليها خطوات في الاتجاه نفسه في المستقبل، تؤدي الى خفض اضافي لأسعار الفائدة على الدولار لتصل الى 3 في المئة في المرحلة المقبلة، على ان لا تتجاوز 4 أو 5 في المئة على الليرة اللبنانية". 


الى ذلك، يساهم الخفض في تقليص عدد الافلاسات في القطاع الخاص المتوقعة في الايام الطالعة. وهذا الأمر يساعد المصارف على التقليل بالمقدار المستطاع من حجم الديون الهالكة التي سيتم تسجيلها بسبب الجمود الاقتصادي القائم. (ص 10) 


البنزين أزمة... لا أزمة!
في الشأن الحياتي، برزت من جديد أزمة المحروقات، بعدما قررت وزارة الطاقة توزيع الخسائر الناتجة عن الفارق بين الليرة والدولار، بين القطاعات المختلفة في مجال المحروقات. هذا القرار لم يَرق لأصحاب الشركات المستوردة الذين سجّلوا اعتراضهم ورفضهم، كذلك اعترض بعض اصحاب المحطات وقرروا الاقفال الإرادي، والامتناع عن بيع البنزين. 


وعلى رغم من انّ نقابة المحطات والموزعين أكدت عدم تنفيذ أي اضراب، والاستمرار في تزويد المواطنين بالبنزين، إلّا أنّ المحطات شهدت مساء أمس زحمة خانقة، واضطرت محطات الى التقنين في بيع البنزين، بحيث حددت سقفاً لكل سيارة، لكي تكفي الكمية الموجودة لأكبر شريحة ممكنة من الزبائن.