البلد مُقفَل بسبب التصليحات…
 
مقالات مختارة | المصدر :نداء الوطن - الكاتب :نجم الهاشم 2020-03-11
لا جلسات للجان النيابية في مجلس النواب اللبناني. تمديد تعطيل الجلسات في قصور العدل. المدارس والجامعات مقفلة بقرار. كتلة المستقبل النيابية تعلن تأجيل اجتماعها الأسبوعي. لا احتفالات ولا حفلات ولا نوادي ليلية. نقابة المهندسين في بيروت تؤجل انتخاباتها. تعليق الرحلات الجوية بين لبنان والسعودية والكويت وقطر. لا شيء يضمن عدم تمدد الإقفال إلى جلسات مجلس الوزراء الذي قرر توقف لبنان عن سداد ديونه. كأن البلد كله مقفل بسبب التصليحات. ولكن هل هناك تصليحات؟

منذ هبطت الطائرة الإيرانية التابعة لشركة “ماهان إير” في مطار بيروت في 21 شباط الماضي وعلى متنها ركاب محتمل أن يكونوا مصابين بفيروس “كورونا” بدا كأن لبنان مقبل على مرحلة إقفال طويلة. لم يكن الخطر متأتّياً من هذا الفيروس الذي يهدّد العالم بل من فيروس الإنهيار الإقتصادي والمالي والسياسي. ولكن هل يكون الإقفال مقدمة للتصليحات أم أن هذه التصليحات ستكون على الطريقة اللبنانية وعوداً من دون نتيجة؟ 

17 تشرين إقفال ولا إصلاح 

بعد انطلاق الإنتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول الماضي وتحولها إلى ثورة عامة تم أقفال البلد. قطعت الطرقات الرئيسية. أقفلت المصارف أبوابها على مدى أسبوعين. أقفلت المدارس والجامعات وتعطل الكثير من الأعمال. كان ذلك التعطيل بهدف تحقيق مطلب الإصلاح قبل السقوط الكبير من خلال المطالبة بحكومة مستقلّة تتشكّل من اخصائيين مستقلّين حقّاً ويتمتّمعون بالكفاءة السياسية والأخلاقية والإدارية ولكنّ هذا الأمر لم يحصل. 

قبل 17 تشرين أقفلت الأمطار البلد وسدت الطرقات والأنفاق والشوارع وفاضت المجارير. ولم يتمّ الكشف عن أي من الأسباب والمسؤولين. ثمّة أمثلة واضحة عن الفساد والفاسدين ولكن لا توجد أمثلة عن المحاسبة وتحميل المسؤولية والعقاب. 

 

قبل 17 تشرين أيضا التهمت الحرائق الأحراج في الدامور والمشرف والدبية وغيرها ووقفت الدولة عاجزة عن إطفائها قبل أن تهطل الأمطار بعد أيام وبرزت مشكلة صفقة طائرات الإطفاء المعطلة “سيكورسكي” في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت من دون صيانة ومن دون فاعلية ومن دون معرفة من يتحمل مسؤولية الصفقة. وقبل 17 تشرين كانت السلطة تغمض عينيها عن الأزمة وتنكر وجودها حتى لا تبحث في الحلول ولكن كان في استطاعتها التفكير بفرض ضريبة على “الواتس أب” من دون أن تتوقّع النتيجة. وحتّى عندما قال الشارع كلمته أغمضت عينيها عن مطالبه. كان من الممكن أن يؤدّي إقفال البلد بعد 17 تشرين إلى عملية إصلاح كبيرة ولكن هذا الأمر لم يحدث اعتماداً على مقولة أنّ الثورة ستموت مع الوقت وأنّها ستخرج من الشوارع بسبب الشتاء والمطر والبرد وبأنّ الوقت سيعود يعمل لمصلحة السلطة الممدِّدة لنفسها عبر الحكومة الجديدة. ولكن ما حصل كان العكس.

كورونا في بلد مفلس 

لو تمّ اتخاذ التدابير اللازمة يوم هبطت الطائرة الإيرانية في مطار رفيق الحريري الدولي لما كان حصل كل هذا الهلع على أبواب مستشفى رفيق الحريري الجامعي ولما كانت بدأت عمليات الضحك من الألم والوجع والمعاناة مع الحديث عن ذهاب بعض المصابين بالفيروس إلى لقاء الرئيس رفيق الحريري شخصياًَ. 

طريقة تصدي الحكومة ووزارة الصحة لتفشّي الوباء الجديد لا تخرج عن سياق التصدي لوباء الإنهيار المالي والإقتصادي. في 7 آذار الحالي انتظر اللبنانيون والعالم إطلالة رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب للإعلان عن توقف لبنان عن الإلتزام بدفع ديونه وتحوله بالتالي إلى بلد مفلس. ولكنّهم كانوا ينتظرون أيضاً الإعلان عن خطة لما بعد هذه الخطوة. ولكن دياب لم يفعل. هناك قرار بعدم الدفع ولكن لا توجد خريطة طريق للمواجهة بعد. أقفل الرئيس دياب أبواب السراي عليه وعلى مستشاريه ووزرائه المعنيين وتحدّث عن المرحلة السابقة التي اوصلت إلى المرحلة الحالية وعن خطوات عامة ومعروفة ومحكيّ عنها مسبقاً ولكنّها لا تعطي نتيجة فورية وبالتالي لا تصليحات آنيّة بل وعود حتى بدا وكأن وضع البلد بعد هذا القرار ومن دون وجود قرار لمرحلة ما بعده بات أخطر خصوصاً مع عدم وجود أي تصوّر واضح لكيفيّة المواجهة اللاحقة. فلا حاجة مثلاً للجوء إلى صندوق النقد الدولي رفضاً لشروطه المسبقة المطالبة بتحقيق الإصلاح، ولا طرح لأي بديل عنه ولا بداية لأي خطة إصلاحية لا بالنسبة إلى تحسين الجباية أو وقف الهدر وإقفال المعابر غير الشرعية ولا الإستغناء عن الموظفين الذين تم توظيفهم بشكل مخالف للقانون ولا تحسين في شبكة الكهرباء وفي الجباية قبل زيادة الإنتاج بل وعد بالإنتقال من الفيول إلى الغاز وهي نظرية قديمة لا تجد طريقاً للتطبيق. من كثرة الطباخين احترقت الطبخة. هناك آراء كثيرة ولكن لا يوجد قرار واحد بعد. منذ مؤتمر سيدر في نيسان 2018 كانت الصورة واضحة لدى العالم كله إلا لدى السلطة في لبنان. لا مال يعطى للإنقاذ من الإفلاس والإنهيار إلا من ضمن سلة إصلاحات كاملة وشاملة ولكن من دون نتيجة تذكر وأكثر من ذلك من خلال الهروب من المشكلة ومحاولة الضغط على مصرف لبنان والمصارف الأمر الذي ترجم تخبطاً في القرار على مسرح السلطة القضائية بين المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم ومدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات من دون التمييز بين ما هو قانوني وما هو سياسي. 

الحجر الصحّي والسياسي 

لقد أقفلت المقارّ الرسمية بالحواجز والجدران الإسمنتية من أجل منع وصول المتظاهرين إليها ووضعت ولا تزال تحت حماية القوى الأمنية. تأمّن منح الثقة للحكومة الجديدة ولكنّ هذه الحكومة لم تؤمّن بعد العبور إلى مرحلة الأمان بل سقطت في تجربة الكلام المستمر عن التفتيش عن الحل. طريقة التعاطي مع الأزمة المالية لا تختلف عن طريقة التعاطي مع الأزمة الصحية. والنتيجة الإقفال العام على مراحل. بدأت المسألة بإصابة واحدة بفيروس الـ”كورونا” وبغرفة للعزل في مستشفى واحد لتتحول إلى وباء يتمدد إلى غرف كثيرة في مستشفيات أخرى قد لا تتمكن من استيعاب العدد المتزايد من الإصابات. وبدأت بالسماح بهبوط أول طائرة آتية من إيران ووصلت إلى منع الرحلات من لبنان إلى عددٍ من الدول وإلى الحديث عن أن هناك أكثر من مصدر للإصابات وأن إيران ليست وحدها السبب. 

 

كأنّه كان ينقص هذه الحكومة أن تخوض معركتين خاسرتين حتى اليوم على جبهتي الصحة والمال. وهي بذلك تعطي الإنتفاضة كلّ أسباب العودة إلى الشارع وبقوّة أكبر تماماً كما حصل في 17 تشرين. بدل أن يختبئ الناس في منازلهم خوفاً من عدوى الكورونا سيكون لديهم أكثر من دافع للعودة إلى الشوارع. فإذا كان البلد كله مهدداً بالإقفال فما الذي يمنع العودة إلى إقفال الطرقات والوصول إلى المؤسسات الرسمية والمقرات المقفلة أصلاً؟ ثمة أسباب متجددة للثورة وللعودة إلى الشوارع وهي أكبر مما كان قبل 17 تشرين. وإذا كانت السلطة تقفل على نفسها فهل سيكون بإمكانها أن تتهم “الثورة” بمحاصرتها وبإقفال الطرق؟ وإذا كانت الحكومة محكومة منذ تشكيلها بالإنصياع إلى سطوة “حزب الله” الذي يحاصرها كما حاصر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة فهل تستطيع أن تتحرّر من هذا الحصار؟ وإذا كانت فعلاً حكومة مواجهة التحديات فإن مسؤوليتها لا تنحصر بالمواجهة فقط بل بالذهاب إلى حلول وإنجازات وهذا ما لم يظهر أنها قادرة على فعله. فالشارع يريد من هذه الحكومة أن تحدثه عن المستقبل لا عن الماضي. والشارع عندما سينفجر من جديد لن تخيفه عدوى فيروس الكورونا. فالناس لن يقفلوا على أنفسهم في بيوتهم بانتظار الموت جوعاً أو مرضاً.​