تغييب السياسة عن الحكومة تغطية للقوى المهيمنة عليها؟
 
مقالات مختارة | المصدر :نداء الوطن - الكاتب :وليد شقير 2020-03-11
حين يجتمع مجلس الوزراء يكتفي رئيسا الجمهورية العماد ميشال عون والحكومة حسان دياب بالتحدث في الأمور السياسية لدقائق ثم ينتقل البحث في جدول الأعمال الروتيني والقضايا الاقتصادية المالية المطروحة من الزاوية التقنية. لا يتناول الوزراء العناوين السياسية التي يطرحها الرئيسان أو يناقشونها، ولا يقترح أي منهم أي موضوع سياسي للغوص فيه.
 

وعلى رغم أن بعض ما ينقل عن الرئيسين في المعلومات الرسمية التي تذاع عقب انتهاء كل جلسة، قد يستدعي على الأقل استفسارات من نوع من يقصد رئيس الحكومة في حديثه عن “الأوركسترا” التي تمنع الحكومة من إنقاذ الوضع الاقتصادي، أو تحرض ضد تقديم المساعدة للبنان في الخارج، فإن الوزراء الذين يستغربون ما يطرحه دياب يمتنعون عن طرح الأسئلة أو توضيح المقصود من وراء ذلك. 

قد تكون صفة الاختصاص لدى معظم الوزراء من جهة، وضخامة الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر فيها البلد والمهام الملقاة عليهم من جهة ثانية، دافعاً لديهم من أجل تجاوز ما يقال، لأن هؤلاء يرون أنهم يجب ألا يضيعوا الوقت في نقاش بيزنطي من النوع الذي تنخرط فيه الطبقة السياسية التي تسببت خلافاتها حول المواقع في السلطة والحصص النفعية في مؤسساتها، في تفاقم الأزمة بدل انكبابها على الحلول الموعودة منذ زمن. 

ويفضل هؤلاء الوزراء الآتون من مجالات أعمال نجحوا فيها واعتادوا على أن الاستقامة والاجتهاد في العمل ركنان أساسيان للإنجاز وتحقيق النتائج، سواء أتوا من القطاع الخاص أم من القطاع العام، أن ينكبوا على التعمق في بحث البنود الإصلاحية التي سردوها في البيان الوزاري

المعالجات الاقتصادية تحتاج أيضاً إلى رؤية سياسية لأن الأزمة المالية الاقتصادية وراءها أسباب سياسية يستحيل تجاهلها أو القفز فوقها، بدليل الشعارات التي رفعتها الانتفاضة الشعبية، في انتظار تبلورها في برنامج سياسي موحد. يكفي مطلب الانتخابات النيابية المبكرة وفق قانون جديد للتأكد من ذلك. والوزراء التكنوقراط الذين عليهم المهمة الإنقاذية يدركون ان الأساس السياسي للفساد والهدر أدى إلى تراجع إيرادات الدولة والعجز في الخزينة، فضلاً عن الخلاف على دور لبنان الإقليمي الذي حجب الاستثمار الخارجي. 

حين يقول دياب إن “النموذج الاقتصادي الذي أرسته السياسات السابقة، أثبت عجزاً، خصوصاً لجهة عدم قدرته على تحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل”… يوحي بوجوب تغيير هذا النموذج. وهو أمر ليس خياراً تقنياً واقتصادياً فقط، بل يقوم على توجهات سياسية تحتاج إلى اتفاق بين الفرقاء اللبنانيين. والانتفاضة باتت جزءاً أساسياً من هؤلاء الفرقاء إلا إذا كان سيواصل القيمون على الحكومة، أي “حزب الله” وحلفاؤه والرئيس عون و”التيار الوطني الحر”، التعاطي مع الانتفاضة على أنها “جماعات الشارع” الذين رجعوا إلى بيوتهم وسيبقيهم “كورونا” فيها، أو إذا كانوا يعتقدون أن الساحة خلت لهم بوجود فرقاء وازنين مثل “تيار المستقبل” وحزب “القوات اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”الكتائب”، خارج التركيبة الحكومية. 

 

الخشية هي أن تصبح الشعارات الكبرى تغطية لنموذج تحكّم سياسي جديد بالمعادلة اللبنانية، ولتبرير قصور وتخبط القوى المهيمنة على الحكومة في اجتراح الحلول، مثلما حصل في شأن الاستعانة بصندوق النقد الدولي وفي خطة ما بعد التعثر في سداد الدين…​