الجمهورية : دعوات للتشدّد بالإجراءات .. والمغتربون يمتحنون ‏الحكومة .. و"الشيطان" يغطي المصارف‎!‎نـ
 
صحف | 2020-03-31
12 ‎يوماً تفصل عن 12 نيسان؛ موعد انتهاء فترة التعبئة العامة الممدّدة، وما بينهما بلدٌ ‏يحاول ان يصل الى هذا الموعد، وقد تجاوز مرحلة الخطر، وبلغ لحظة إعلان الانتصار في ‏معركة احتواء فيروس "كورونا"، وعندها فقط، يخف ثقل هذا الكابوس الضاغط على جميع ‏اللبنانيين، وتصدق مقولة "الوضع تحت السيطرة ولا داعي للقلق"، التي تتردّد منذ اليوم ‏الأول لتفشي الوباء الخبيث في الأرجاء اللبنانية. هذه المعركة، وعلى صعوبتها وخطورتها، ‏وفيروس "كورونا" نفسه وكل ما يعادله من فيروسات وأوبئة، لا تستطيع ان تحجب الوباء ‏المصرفي الممعن في جريمته المتمادية ضد اللبنانيين، واستيلائه على مدخّراتهم وحرمانهم ‏منها في ظرف لا سابق له في صعوبته، وباتوا معه في أمسّ الحاجة إليها، او على الأقل، ‏الى جزء يسير منها‎. 



الشيطان الاخرس
لقد بات السكوت على هذه الجريمة التي توازي، أو بمعنى أدق، تفوق خطر الوباء ‏الجرثومي، هو جريمة بحدّ ذاتها. فقد اثبتت المصارف بإجراءاتها العدائيّة باستيلائها على ‏ودائع اللبنانيّين، افتقادها ولو الى الحدّ الأدنى من المسؤولية الوطنية والإنسانية والأخلاقية. ‏والجريمة الاكبر هو سكوت السلطة الحاكمة، التي تبدو كشيطان أخرس على لصوصية ‏المصارف وهروبها بودائع اللبنانيّين؛ صغارهم وكبارهم على حد سواء. من دون ان تُقدِم ‏على اجراء رادع يُلزم هذه المصارف، ولو بالإكراه، بالإفراج عن حقوق المودعين. والطامة ‏الكبرى، إن كان سكوت السلطة على المصارف هو علامة الرضا. وهذا معناه الشراكة ‏الكاملة بهذه الجريمة. وثمة سؤال يتردّد على ألسنة الكثير من ضحايا اللصوصية ‏المصرفية، ويبحث عن مصرف لبنان الغائب الاكبر امام ما يجري، وعن سرّ امتناعه عن ‏المبادرة الى ايّ إجراء عملي - وهو قادر على ذلك - يوقف جريمة المصارف، ويثبت من ‏خلاله انّه بريء من تهمة تغطية جريمتها؟ 


‎الإنفجار الخطير
لقد اثبتت التجربة انّ مقولة انّ المصارف في لبنان تشكّل عامل النهوض والاستقرار ‏والأمان في لبنان، هي مقولة كذّبتها حقيقة انّ هذه المصارف، وبإجراءاتها ضد المودعين، ‏تشكّل بلا أدنى شك، عامل التدمير للبلد، وتمهّد لانفجار اجتماعي خطير، وقد لا يتأخّر الوقت ‏ويصبح اشتعاله حتمياً في أي لحظة، حتى ولو في زمن "كورونا"، طالما أنّ حقوق الناس ‏مصادرة، وأنّ اموالهم مكدّسة في خزائن البنوك، او مهرّبة الى الخارج ومخزّنة بأسماء ‏اصحاب المصارف، وطالما انّ "الشيطان الأخرس" لم يبادر الى الاثبات بأنّه عكس ذلك؟‎!‎
‎ ‎
وما يزيد على وجع المودعين، أنّهم، مع سائر اللبنانيين، ضحايا "مافيا" صرّافين وتجار ‏العملة، تمتد خيوطها الى بعض المصارف، والسلطة الحاكمة ساكتة لا تحرّك ساكناً، سوى ‏إجراءات شكلية عبر إلقاء القبض على صرّاف صغير هنا وهناك، ومغمضة عينها على ‏الجريمة التي تُرتكب بحق العملة الوطنية، التي ذابت نصف قيمتها مع الارتفاع الجنوني في ‏سعر الدولار، الذي بدأ يلامس الثلاثة آلاف ليرة، والحبل على الجرار، بالتوازي مع الفلتان ‏التجاري والارتفاع الرهيب في اسعار السلع والمواد الاستهلاكية الضرورية. والنتيجة ‏الموجعة لكل ذلك، انّ نحو 70 % من اللبنانيين، وعلى ما يُجمع الخبراء الاقتصاديون، صاروا ‏تحت خط الفقر! وهنا يضع اللبنانيون سؤالاً برسم السلطة الحاكمة: أيّ لبنان سيبقى اذا ما ‏استمر هذا الوضع على ما هو عليه من بلاء مصرفي واستهتار رسمي؟ وهذا الاستهتار ‏يضع هذه السلطة في موقع المتهمة بالتواطؤ الى ان يثبت العكس، علماً انّ هذا التواطؤ ‏ظهر جليًّا من بعض مراكز هذه السلطة، الذي كان وما زال يسعى الى تشريع خطيئة ‏المصارف واعطائها صك براءة على سلبها اموال المودعين؟
‎ ‎ ‎
خطيئة .. واحتفالية
برغم كل ذلك، ما زالت المصارف تبرّر خطيئتها بالقول انّ إجراءاتها استثنائية وموقتة، الى ‏حين عودة الاستقرار الى البلد، واملتها ظروف الأزمة النقدية الضاغطة، وبالتالي لا خوف ‏على الودائع. وهي بالتأكيد حجة تأكّد انّها واهية، تغطي فيها هروبها بودائع اللبنانيين. على ‏انّ المريب، هو انّ السلطة وبدل ان تلجأ الى المحاسبة والضغط على المصارف، وتفتح ‏تحقيقاً شفافاً يكشف مصير الودائع، وكيف تبخّرت، واين خُبئت، والى اين هُرّبت، يجري ‏تقديم اي خطوة تقوم بها، وكأنّها إنجاز او تضحية من هذه المصارف، على ما حصل في ‏الساعات الماضية بالنسبة الى التحويلات المشروطة للطلاب اللبنانيين الموجودين في ‏الخارج، والتي استدعت إقامة احتفالية بين جمعية المصارف ووزيري المالية والخارجية ‏للإعلان عن نيّة المصارف الإفراج عن جزء يسير يكاد لا يُذكر من حقوق اصحاب الاموال ‏المحبوسة في خرائنها‎.‎

الوباء
جديد الإصابات بفيروس "كورونا"، حمل في الساعات الماضية ايجابيات ملحوظة، تجلّت ‏بتسجيل نسبة متدنية جداً من الحالات قياساً مع الايام السابقة، التي تجاوز فيها العدد الـ30 ‏اصابة يومياً، حيث أُعلن رسمياً، بحسب وزارة الصحة، بأنّه حتى تاريخ 30/3/2020 بلغ عدد ‏الحالات المثبتة مخبرياً في مستشفى الحريري الجامعي ومختبرات المستشفيات الجامعية ‏المعتمدة بالإضافة إلى المختبرات الخاصة، 446 حالة بزيادة 8 حالات يوم امس. وهي نسبة ‏اقل بـ16 حالة عمّا تمّ تسجيله امس الاول الاحد. يُضاف الى ذلك تسجيل حالة وفاة في ‏مستشفى الحريري الحكومي الجامعي لمريضة في العقد الثامن من العمر، تعاني أمراضاً ‏مزمنة، ما يرفع عدد الوفيات الى 11. وتبعاً لذلك، كرّرت الوزارة التشديد على تطبيق ‏الإجراءات الوقائية كافة وخصوصاً التزام الحَجر المنزلي التام الذي أضحى مسؤولية أخلاقية ‏فردية ومجتمعية واجبة على كل مواطن، وأنّ أي تهاون بتطبيقها سيُعرّض صاحبها ‏للملاحقة القانونية والجزائية‎.‎
‎ ‎
واللافت في هذا السياق ما اعلنه مدير مستشفى الحريري الدكتور فراس الابيض، "انّ 8 ‏حالات جديدة، هي محصلة جيدة، الّا انّه لا بدّ من التنويه بأنّ معظم المختبرات تعمل ‏بنصف قدرتها، او لا تعمل على الإطلاق يوم الأحد، لكن العلامات جيدة‎".‎
‎‎
الالتزام
وعوّلت مصادر طبيّة لـ"الجمهورية"، على انّ الفترة الفاصلة عن 12 نيسان المقبل، قد ‏تشهد مزيداً من انخفاض اعداد الإصابات بالوباء، قياساً مع ما سبق، الّا انّ ذلك متوقف ‏بالدرجة الاولى على الالتزام الشعبي بشروط التعبئة وإجراءاتها الوقائية، وملازمة المواطنين ‏منازلهم وعدم الاختلاط. ذلك انّ هذا الالتزام، وامام ضعف الإمكانات والاجهزة الطبية التي ‏تتطلبها مكافحة الوباء، هو السبيل المتاح امامهم لربح المعركة على "كورونا‎".‎
‎ ‎
واذ اعربت المصادر عن ارتياحها للاستجابة الشعبية الواسعة للتدابير، وهذا ما تمّ لحظه في ‏مختلف المناطق اللبنانية، الّا انّ الخطر ما زال قائماً ويهدّد كل ما تحقق، مع إمعان بعض ‏الفئات في تحدّي إجراءات التعبئة العامة في اماكن مكتظة شعبياً، واتباع تصرّفات تهدّد ‏سلامتهم وسلامة غيرهم من المواطنين. وهو امر تجلّى في اكثر من منطقة، وينمّ عن ‏استهتار صبياني غير مبرّر على الاطلاق، وعن جهل فاقع لمخاطر الفيروس وما يلحقه ‏بالمصاب به، من اوجاع جسدية ومالية، وبمحيطه من تهديد لأرواحهم‎.‎
‎‎ ‎
نداء
وفي هذا السياق، قال مرجع أمني كبير لـ"الجمهورية": "مما لا شك فيه اننا في مرحلة ‏شديدة الحساسية، والخطر الذي نواجهه اجتاح كل العالم، وادّى الى حالات كارثية في العديد ‏من الدول، ومن هنا فانّ لدى الأجهزة العسكرية والأمنية تعليمات مشدّدة في إلزام ‏المواطنين حماية أنفسهم، ونكرّر النداء لكل المواطنين بأنّ المرحلة تتطلّب أقصى درجات ‏الاستجابة للإجراءات المتخذة وعدم الاستهتار بأنفسهم وبعائلاتهم، فالأيام المقبلة، وعلى ما ‏يؤكّد المعنيون في المجال الصحي، شديدة الدقة والحساسية، ومع الأسف لا نرى التزاماً ‏جدّياً بتلك الاجراءات، لذلك فإنّ كل الاجهزة العسكرية والامنية، وانطلاقاً من حرصها على ‏سلامة المواطنين، وامام هذا الاستلشاء المتمادي، ستتشدّد اكثر في تطبيق الإجراءات، ‏وليعذرنا المواطنون على هذا الامر الذي لا بدّ منه ضماناً لسلامتهم‎".‎
‎ ‎
وكشف المرجع، انّه "في حال عدم تحقيق المرجو منه من تمديد فترة التعبئة العامة حتى 12 ‏نيسان المقبل، فبالتأكيد سيتمّ اتخاذ قرار بتمديد جديد لاسبوعين اضافيين على الاقل، ‏وبإجراءات مشدّدة اكثر مما سبق‎".‎
‎ ‎
المغتربون
‎ ‎
على الخط الحكومي الآخر، يُفترض ان تبتّ الحكومة اليوم، بآلية إعادة اللبنانيين المنتشرين ‏في الخارج. على ان كلّ المؤشرات السابقة لانعقاد جلسة مجلس الوزراء، لا توحي بإجراءات ‏نوعية او استثنائية من شأنها ان تنقل اللبنانيين المنتشرين في الخارج، سواء في دول اوروبا ‏او في افريقيا، الى برّ الأمان اللبناني. علماً انّ المتداول حتى الآن لا يعدو اكثر من اعلان ‏النيّة بإعادتهم، وانّ الخطة النهائية لإجلاء الرعايا اللبنانيين من الخارج لم تتبلور بصورتها ‏النهائية بعد، وما زالت خاضعة للنقاش‎.‎
‎ ‎
واكّدت اوساط السراي الحكومي لـ"الجمهورية"، انّ "موضوع اللبنانيين المنتشرين في ‏الخارج يحتل رأس سلم اولويات العمل الحكومي في هذه المرحلة، والجهد قائم على قدم ‏وساق، من قِبل رئيس الحكومة والوزراء المعنيين، لإقرار الآلية الفعّالة لتوفير عودة آمنة ‏لهم، في اقرب وقت ممكن وفي ظلّ افضل ظروف تحفظ سلامتهم". واشارت هذه ‏الاوساط، انّ اتصالات مكثفة جرت في الساعات الماضية على أكثر من خط دولي واغترابي ‏في سياق التنسيق والتحضير لإعادة سريعة للمنتشرين‎".‎
‎ ‎ ‎
آلية… وشروط
وكشفت مصادر وزارية لـ"الجمهورية" انّ "التوجّه في جلسة مجلس الوزراء اليوم هو ‏لإقرار خطة اعادة اللبنانيين من الخارج، لكنّ هذه الخطة ليست سهلة على ما يعتقد ‏البعض، وتنفيذها سيتطلب بعض الوقت‎".‎
‎ ‎
وأشارت المصادر انّ ثمة شروطاً عديدة ينبغي توافرها لتحقيق عودة آمنة وسليمة للراغبين ‏في العودة، هي‎:‎ 


‎- ‎حتى الآن لا يوجد تقدير نهائي للعدد الاجمالي للبنانيين الراغبين بالعودة، وبالتالي فإنّ ‏التحقق من هذا يتطلب ان يبادر الراغبون بالعودة الى تسجيل أسمائهم في السفارات ‏اللبنانية في الدول التي تستضيفهم. وثمّة تعليمات وجّهتها وزارة الخارجية للبعثات اللبنانية ‏في الخارج لتسجيل الراغبين‎.‎ 


‎- ‎كيفية العودة ومواقيتها، علماً انّ شركة طيران "الميدل ايست" قد أعربت عن استعدادها ‏لتسيير رحلات متتالية الى تلك الدول لنقل المغتربين‎.‎ 


‎- ‎موقف الدول المعنية ومدى استجابتها لطلب لبنان بفتح مطاراتها للسماح بالطيران ‏اللبناني بإجلاء الرعايا اللبنانيين. وفي هذا الصدد، تتواصل الاتصالات مع العديد من الدول ‏للحصول على اجابات‎.‎ 


‎- ‎اعداد الأطقم الطبيّة اللبنانية التي ستتولى فحص العائدين قبل صعودهم الى طائرة ‏العودة. وهذا الامر ينبغي الّا يتطلب وقتاً بالنظر الى وجود أطقم طبية كثيرة رسمية وغير ‏رسمية على استعداد للقيام بهذه المهمة‎.‎ 


‎- ‎تحديد أماكن العزل في لبنان للعائدين، (علماً انّ بعض الأحزاب باشرت بتأمين بعض ‏الاماكن من فنادق أو شقق سكنية، أو ما شابَه ذلك مع تجمعات ميدانية لاستقبال هؤلاء ‏العائدين‎).‎ 


‎- ‎كيفية التعاطي مع المصابين، إذا تبيّن انّ من بين الراغبين بالعودة مصابين بكورونا، ‏وحالتهم تستدعي العزل والعلاج الفوري، وخصوصاً في الدول التي تفتقر الى المستشفيات ‏والوقاية الصحية المطلوبة‎.‎ 


‎- ‎حجم كلفة العودة، فإذا كانت شريحة واسعة من المنتشرين قد أعلنت أنّها لن تكلّف ‏الدولة اللبنانية أي اكلاف، وانها على استعداد لتحمّل نفقة عودتها الى لبنان شرط تأمين ‏وسيلة العودة، الّا انّ هناك حالات لا تمتلك بَدل العودة وثمن تذكرة الطائرة، وينبغي ‏توفيرها، فحتى الآن لا توجد تقديرات دقيقة لهذه الكلفة‎.‎
‎ ‎
إقرار الخطة… وإلّا
على انّ إقرار الخطة الحكومية الجدية لإجلاء الرعايا اللبنانيين من الخارج، أشبَه ما يكون ‏بإعادة مدّ أنابيب الحياة للحكومة من جديد، خصوصاً أنها كادت تفقدها الاسبوع الماضي‎.‎
‎ ‎
فمع ملف المغتربين، يمكن القول انّ الحكومة مرّت في أصعب قطوع خلال الايام الاخيرة، ‏حيث وصلت الى لحظة كان مصيرها قاب قوسين أو أدنى من أن يطرح على الطاولة ‏وصولاً إلى حد تطييرها. وشرارة التطيير انطلقت من الموقف الناري الذي أطلقه رئيس ‏المجلس النيابي نبيه بري في وجه الحكومة بتعليق مشاركة وزيريه في الحكومة ما لم تقدم ‏على خطوة إيجابية في ملف المغتربين قبل الثلاثاء، أي اليوم‎.‎
‎‎ ‎
قطوع… لم يمر بعد
وعلى ما يقول مطّلعون على مسببات هذا القطوع لـ"الجمهورية" انه "اذا كانت المقاربة ‏الحكومية لملف "كورونا" وما تقوم به وزارة الصحة على هذا الصعيد، محل ثناء وتقدير من ‏الاصدقاء والخصوم في آن معاً، الّا انّ ذلك لم يغفر للحكومة مسلسل السقطات المتتالية ‏التي "حققتها" منذ نيلها الثقة؛ بدءاً بعجزها على مقاربة الأزمة الاقتصادية وتظهير ولو ‏خطوة ملموسة تعكس إنفاذاً للإجراءات الموعودة، والوفاء بالتزاماتها التي قطعتها منذ ‏تأليفها، وبعدها بالتشكيلات القضائيةعبر تجميدها والسكوت على هذا التجميد، ثم في ملف ‏التعيينات المصرفيّة وطبخها بطريقة عشوائيّة وما رافقه من تلويح جدّي من قبل رئيس تيار ‏المردة سليمان فرنجية بالخروج من الحكومة، ومن بعده في ملف "الكابيتال كونترول"، ‏الذي ظهَّر "شراكة" بعض الحكومة في نسف مشروع وزير المالية وتحويل مضمونه من ‏خدمة المودعين إلى خدمة المصارف‎".‎
‎ ‎
وفوق هذا التراكم، يضيف هؤلاء المطلعون، جاء ملف المغتربين ليشكّل جمراً ملتهباً بقوة ‏تحت رماد الحكومة، جرّاء ما لاحظته عين التينة من تراخي الحكومة حيال قضية وطنية ‏تتعلق بالمنتشرين في بلاد الاغتراب الاوروبي والافريقي، وساهم في إضرامه ما أعلنه ‏بعض الوزراء بأن لا عودة لهؤلاء المغتربين قبل التأكد من عدم إصابتهم بفيروس "كورونا‎".‎
‎ ‎
وبحسب المطلعين، فإنّ هذا التراخي كان مدوّياً في عين التينة، خصوصاً انّ الرئيس نبيه ‏بري يعتبر أنّ ملف المغتربين بالنسبة إليه "أشبه ما يكون بسلك كهربائي عالي التوتر لا ‏يجوز المس به بإهمال او استلشاء"، ولطالما أكد على لبنان الذي يطير بجناحيه المقيم ‏والمغترب، وانّ المغتربين على اختلاف انتماءاتهم المناطقية والطائفية والمذهبية يشكّلون ‏الاحتياطي الاستراتيجي للبنان وقرشه الابيض ليومه الاسود، وشكّلوا على الدوام عصب ‏الاقتصاد اللبناني وانتعاشه بالتحويلات الهائلة الى ذويهم في لبنان‎".‎
‎ ‎
ويكشف المطلعون انّ ملف المغتربين احتلّ الجانب الاساس من اللقاء الاخير الذي عقد في ‏عين التينة بين رئيس المجلس ورئيس الحكومة حسان دياب الاربعاء الماضي، وانتظر بري ‏من الحكومة ان تبادر في اليوم التالي الخميس خلال جلسة مجلس الوزراء الى إجراءات ‏ملموسة وسريعة حيال اللبنانيين المنتشرين في الخارج، تمهّد لإعادتهم، الّا انّ شيئاً من ذلك ‏لم يحصل، بل انّ بري فوجىء باشتراطات تصدر من الجانب الحكومي مع تأكيد رئيس ‏الحكومة‎.‎
‎ ‎
ويلفت المطلعون الى انّ هذا الأمر جاء بمفاعيل سريعة، أدّت الى كسر "شهر العسل" ‏الذي كان قائماً بين عين التينة والسراي الحكومي منذ تأليف الحكومة، ورئيس المجلس أكد ‏طيلة هذه الفترة انه سيشكّل رافعة للحكومة لكي تنجح وتنفذ المطلوب منها على صعيد ‏معالجة الأزمة الاقتصادية، وتحديداً الأزمة المالية. وجرى التعبير عن هذا الكسر في البيان ‏العنيف الذي أصدره بري الجمعة الماضي، ودعا فيه الى عقد جلسة استثنائية من اجل إعادة ‏النظر بقضية المغتربين، واتّهم الحكومة بأنّها شكّلت الشذوذ عن كل دول العالم التي تقوم ‏بالبحث عن مواطنيها لإعادتهم الى بلادهم، الّا انّ رئيس الحكومة سارَع الى الرد خلال جولته ‏في مستشفى رفيق الحريري، مؤكداً انّ الاجراءات المتخذة لا تسمح بإعادة المغتربين الآن، ‏وقال: "لقد أعطينا 4 ايام للبنانيين الراغبين بالعودة قبل إقفال المطار، ولا نستطيع استثناء ‏أحد قبل انتهاء هذه الفترة المحددة للتعبئة العامة‎".‎
‎ ‎
وتبعاً لذلك، كما يؤكد المطلعون، سارَع برّي يوم السبت الى إصدار بيان مقتضب يعكس ‏فيه مدى استيائه، ويلوّح فيه بتعليق مشاركة وزيريه غازي وزنة وعباس مرتضى في ‏الحكومة ما لم تقم بإجراءات معينة قبل الثلاثاء (أي اليوم). وكان لهذا البيان الوقع الارباكي ‏ضمن المثلّث السياسي المشكّل للحكومة، خصوصاً انّ الجسم ما زال يعاني الارباك جرّاء ‏تلويح فرنجية بالخروج من الحكومة‎.‎
‎ ‎
وبحسب معلومات المطّلعين، فإنّ الفترة السابقة لإعلان بري بيانه شهدت حركة اتصالات ‏مكثّفة على مختلف الخطوط ضمن المثلث الحكومي، سواء بين "حزب الله" والرئيس بري، ‏وبين الحزب والسراي الحكومي، وخصوصاً بعد ورود معلومات موثوقة بأنّ خيار الاستقالة ‏كان جديّاً جداً لدى رئيس المجلس ولا رجعة عنه. ونجحت هذه الاتصالات في تليين موقف ‏بري، بعد ورود مؤشرات استجابة لمطلبه من قبل رئيس الحكومة الذي جرى التعبير عنها ‏في البيان الصادر عن اللجنة الوزارية التي انعقدت السبت في السراي الحكومي، وأكد ‏خلالها دياب على انه مع عودة آمنة لمَن يرغب من المغتربين بالعودة الى لبنان‎".‎
‎ ‎
ومع مرور هذا القطوع، تبقى العين على ما سيقرره مجلس الوزراء اليوم، وعلى ما تؤكد ‏مصادر وزارية لـ"الجمهورية"، بأنه القرار الصادر عن الحكومة في ما خَص المغتربين ‏وخطة إعادتهم، هو الذي سيحدد مصير الحكومة بين أن تبقى متماسكة او تسلك المسار ‏الذي يقود الى انهيارها‎.‎
‎‎ ‎
العجز
إقتصادياً، كشف كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي غربيس إيراديان ‏لـ"الجمهورية"، انّه تمّ تعديل توقعات نسبة الانكماش في الاقتصاد اللبناني بعد انتشار ‏فيروس "كورونا"، وفرض حالة التعبئة العامة، من 9,6 في المئة الى 12,6 في المئة في ‏العام 2020، بسبب حالة الشلل وتوقّف معظم نشاط القطاعات الاقتصادية‎.‎
لكنه لفت الى انّ تداعيات تراجع اسعار النفط عالمياً ستكون ايجابية بالنسبة للبنان، حيث ‏ستتراجع فاتورة الاستيراد التي يشكّل النفط حوالى 20 في المئة منها، ممّا سيخفّف من عجز ‏ميزان المدفوعات. كما انّ العجز المالي يمكن ان يتراجع نتيجة تراجع تحويلات الخزينة الى ‏مؤسسة كهرباء لبنان الى أقل من النصف، مع تراجع اسعار النفط بحوالى 50 في المئة‎.‎
في المقابل، أشار انّ الوفر المالي الذي ستحقّقه الخزينة نتيجة تراجع التحويلات الى ‏مؤسسة كهرباء لبنان، سيسدّ جزءاً من تراجع ايرادات الدولة نتيجة الانكماش الحاد المتوقع ‏هذا العام، والذي سيؤدّي الى تراجع الايرادات الضريبية والرسوم الجمركية وغيرها من ‏الإيرادات الحكومية. ‎
‎‎
مبادرة أم كمين؟
الى ذلك، لفت الاقتراح الذي قدّمه رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير أمس، ‏ويقضي بدفع رواتب مقطوعة (بين 675 ألف ليرة ومليون ليرة) لكلّ موظف في القطاع ‏الخاص من أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتحديداً من فرع نهاية الخدمة‎.‎ 


وفي السياق، علمت "الجمهورية" من مصادر متابعة انّ شقير ينوي مناقشة هذه المبادرة ‏في الايام المقبلة مع فرقاء الانتاج الثلاثة، اي الدولة واصحاب العمل والاتحاد العمالي العام، ‏وانّ السير بهذه المبادرة يحتاج الى مشروع قانون يتخذ صفة العجلة يقرّ في مجلس النواب ‏قبل أن يصبح نافذاً‎.‎
ويتبيّن من الاقتراح انّ كلفة السير به تبلغ حوالى 450 مليار ليرة (اذا تقرّر دفع مليون ليرة ‏للموظف)، على أساس وجود حوالى 450 ألف موظف مُنتسب الى الضمان‎.‎
‎ ‎
مصدر متابع استغربَ طبيعة هذا الاقتراح الذي يبدو غامضاً وغير موضوعي انطلاقاً من ‏الحقائق التالية‎:‎ 


اولاً - إنّ فرع نهاية الخدمة في الضمان يعاني أصلاً من عجوزات سببها اضطرار إدارة ‏الضمان الى اقتطاع مبلغ 3400 مليار ليرة لاستخدامها في فرع المرض والأمومة، بسبب ‏عدم دفع الدولة موجباتها المالية للضمان‎.‎ 


ثانياً - إنّ حالات الصرف من العمل، وانخفاض اسعار صرف الليرة، والوضع الاجتماعي ‏الصعب كلّ ذلك دفع عدداً كبيراً من الموظفين الى التقدّم بطلبات انهاء خدمة، بما يعني ‏انّ هذا الفرع في الضمان سيواجه في المرحلة المقبلة ضغوطاً مالية كبيرة وغير اعتيادية ‏عليه تلبيتها‎.‎ 


ثالثاً - انّ قسماً كبيراً من أموال فرع نهاية الخدمة موظّف في سندات خزينة بالليرة، وهي ‏سندات مجمّدة، ولا يمكن تسييلها حالياً‎.‎ 


رابعاً - انّ مبادرة مصرف لبنان بمنح المؤسسات قروضاً بصفر فائدة ولمدة طويلة هو ‏الحل المنطقي لأزمة دفع رواتب الموظفين، وليس اللجوء الى أموال الموظفين أنفسهم‎.‎ 


خامساً - ما مصير المؤسسات المستمرة في العمل، والقادرة على دفع الرواتب؟ هل ‏تتوقف عن الدفع وتكتفي بما سيتقاضاه الموظف من الضمان وفق هذا الاقتراح؟ 


سادساً - كيف سيتم تعويض المبلغ الذي سيدفعه الضمان؟ ام انّ المطلوب ان يتم خَصم ‏مبلغ المليون ليرة من رصيد نهاية خدمة كل موظف في المستقبل؟ 


من خلال هذه الملاحظات يبدو اقتراح شقير، الذي أطلق عليه تسمية مبادرة، ساقطاً، لأنه لا ‏يستطيع أن يعطي ما لا يملك‎.‎