الأخبار : الحكومة استسلمت لصندوق النقد؟
 
صحف | 2020-03-31
اليوم، يقف العالم "على نصف رِجل" أمام الوباء المجهول. العزلة الفعلية لغالبية البشر، جعلت الناس يتفكرون في ‏أحوالهم الذاتية، لكنها دفعتهم عمداً نحو التفكير في حال العالم من حولهم. النظام الرأسمالي الاستهلاكي الحاكم في العالم ‏منذ ستة عقود على الاقل، لا يهتم مطلقاً للعدالة الشاملة. يعرف منظّروه ومستخدموه والمستفيدون منه، أن العدالة ‏الفعلية تمنع التوحش القائم، وأن العدالة بحدّها الأدنى تمنع هذه الفوارق الطبقية الهائلة. لكن أمام تحدّ من هذا النوع، ‏كيف يكون حال الجميع؟ لا اختلاف في آليات نقل العدوى، ولا اختلاف في آليات الإصابة بالفيروس، والأهم، لا ‏اختلاف في العلاجات المفترضة. في حالة كورونا، لم يعد مهماً إن كنت قادراً على الوصول الى مستشفى للمرفّهين، ‏أو إلى مستشفى عام، لأن ما هو مطلوب ليس موجوداً في المكانين. اللقاح والعلاج، متى توافرا، لا يحتاجان الى ‏مستويات رفاهية حتى يصلا الى المرضى‎.‎ 



لكن النفس الأمّارة بالسوء والشر، لا تزال على ما هي عليه، وبقوة. عندما يفكر دونالد ترامب في كيفية إعادة ‏دورة الحياة الى المؤسسات العامة والخاصة في أميركا، يكون مرجعه عدّاد الأرباح المتوقف عن الحركة. ‏وترامب هنا، يعبّر عن حال الـ5 في المئة من سكان هذا الكوكب، الذين لا يريدون فهم موجبات التضامن الانساني ‏في هذه الحالة. اليوم، قرر النقاد والصحافيون والكتّاب والأطباء الإفراج عن آرائهم النقدية تجاه حكومات الغرب ‏الرأسمالي. وها هي وسائل الإعلام والدوريات تعجّ بالمقالات التي تنتقد غياب الأنظمة الصحية القوية. لكن كل ‏هؤلاء لا يزالون يخافون من الإقرار بأن خصومهم التقليديين، من الدول المحافظة، أو غير المنخرطة تماماً في ‏الاقتصاد الرأسمالي العالمي، أظهروا أنهم أكثر قدرة، ليس على إدارة الأزمة وحسب، بل وعلى حماية شعوبهم ‏والوقوف من جديد، ومواجهة تحدي قيادة العالم‎. 


لنعد الى لبنان اليوم، حيث المشكلة ليست محصورة بسلوك الأغنياء. تظهر النتائج المتعلقة بالتبرعات المعلنة أو ‏عمليات التكافل الاجتماعي، أن أقل من واحد في المئة من ثروات الأغنياء تستخدم اليوم لمواجهة تداعيات المرض. ‏الاسواق المحلية ليست في وضع انهيار حتى اللحظة. لكن حجم التراجع في الاستيراد لا يتعلق بالكماليات فقط، بل ‏حتى بالحاجات الاساسية للناس. وإذا لم يحصل تغيير كبير في الاسبايع الثلاثة المقبلة، فإن لبنان مقبل على أزمة مواد ‏غذائية مطلع حزيران المقبل. وهذه الازمة لا علاج لها بغير توافر الاموال الكافية لشراء هذه المواد التي تحتاج إليها ‏كل الأسر في لبنان. وتوافر الاموال ليس صعباً تعريفه: إما أن تخلق الدولة عملة قابلة للصرف عبر المصرف ‏المركزي وتعطيها للناس على شكل تبرعات أو ديون، أو أن يعمد أصحاب المحافظ الكبيرة الى الإفراج عن قسم من ‏موجوداتهم ومنحها الى الدولة والى الناس لمعالجة الازمات المتفاقمة‎. 


في مصارف لبنان، اليوم، نحو 150 مليار دولار من الودائع. نحو 70 في المئة منها بالدولار، وثلاثين منها بالليرة ‏اللبنانية. وتبيّن من عمليات تدقيق أجريت بالتعاون مع مصارف كبرى، أن أكثر من ثلثي المودعين في مصارف لبنان ‏يملكون حسابات لا تتجاوز موجودات كل منها عشرة ملايين ليرة لبنانية أو خمسة آلاف دولار أميركي. وفي حال ‏قررت المصارف إقفال هذه الحسابات بالدولار أو بالليرة، فسنشهد انحساراً كبيراً جداً في هجوم المودعين على ‏المصارف وفروعها، علماً بأن هذه العملية لا تتطلب أكثر من مليار ونصف مليار دولار فقط. وهو مبلغ تستطيع ‏المصارف تأمينه لو أرادت من أموالها الخاصة. وهي عملية لن تحصل من دون ضغوط جدية تقوم بها الجهات ‏المعنية، سواء في مصرف لبنان أو في وزارة المالية أو حتى القضاء‎. 


مناسبة هذا الكلام ليست الحاجة الى توفير متطلبات الحد الأدنى للناس، أو إعادة حقوق المودعين المفترض أنها مقدسة ‏في النظام الرأسمالي الحر، بل مناسبته التحول المفاجئ والمؤشرات الخطيرة على استسلام فريق رئيس الحكومة حسان ‏دياب للضغوط من قبل حزب المصرف وحزب الأثرياء، والقبول ببدء التفاوض غير المباشر مع صندوق النقد الدولي ‏بحجة أنه سيمد لبنان بقرض تصل قيمته الى 15 مليار دولار لإطلاق العملية الاقتصادية الجامدة منذ ما قبل أزمة ‏الكورونا. الجديد، أن مؤسسة لازارد الفرنسية، المفترض أن العقد معها يفوّضها حصراً التفاوض مع حاملي السندات ‏في الخارج على إعادة هيكلة الدين العام، يبدو أنها حصلت على تفويض أوّلي من جانب رئاسة الحكومة اللبنانية - ومن ‏دون أي قرار صادر عن مجلس الوزراء الذي لم يناقش الأمر - لإطلاق مفاوضات هدفها وضع إطار برنامج للتعاون ‏مع صندوق النقد الدولي، وهي خطوة بالغة الخطورة، وليست أصلاً محل إجماع، لا داخل الحكومة ولا على مستوى ‏البلاد. فكيف يحصل ما يحصل؟‎ 


بحسب مصادر واسعة الاطلاع، فإن حزب المصرف الموجود داخل الحكومة بقوة، والموزع على عدد من القوى ‏السياسية، نجح في الوصول الى النقاط الأكثر تأثيراً على رئيس الحكومة. وهناك وزراء يمثلون قوى أساسية في ‏الدولة من التيار الوطني الحر (وزيرا الاقتصاد والطاقة) الى حركة أمل (وزير المالية) الى وزير تيار المردة (وزير ‏الأشغال) فوزير رئيس الحكومة (وزير البيئة)، كل هؤلاء، يمثلون قوة ضغط، بالتعاون مع فريق من المستشارين ‏الذين ظهرت أسماؤهم في لوائح المرشحين لمناصب مالية شاغرة في المجلس المركزي لمصرف لبنان ولجنة الرقابة ‏ومفوض الحكومة وهيئة الاسواق المالية. وكل هؤلاء يرفضون "العلاج المحلي" الذي يعرفون أنه يتطلب خطوات ‏قاسية وجريئة تصيب أصحاب الثروات الكبيرة من مودعين في المصارف الى ناهبي الاملاك العامة الى كبار ‏المستفيدين من دورة الاقتصاد الريعي على مدى العقود الثلاثة الماضية. وهؤلاء، الذي لم يجمعوا الى اليوم أكثر من ‏عشرين مليون دولار لدعم الدولة والناس في مواجهة أزمة كورونا، يريدون الذهاب مباشرة نحو صندوق النقد الدولي، ‏بحجة أنه مصدر الأموال التي يحتاج إليها لبنان، ولكنهم لا يهتمون للثمن المقابل‎. 


وبحسب المصادر نفسها، فإن الشروط الاولية التي وردت في مناقشات غير رسمية حول مطالب صندوق النقد الدولي، ‏وبعضها جرى تمريره في برنامج "سيدر" أو في المحادثات غير الرسمية مع شركات استشارية دولية، فإن هذه ‏الشروط تشتمل على‎: 


أولا: المباشرة في إعادة هيكلة الدين العام، من خلال إطفاء قسم من الدين عبر إلغاء ديون مصرف لبنان والضمان ‏الاجتماعي ومؤسسة ضمان الودائع‎. 


ثانياً: شطب نصف الودائع الموجودة في المصارف اللبنانية، من دون وضع آلية متناسبة لناحية حفظ الحقوق الاصلية ‏للمودعين والتمييز بين الارباح غير المشروعة لكبار المودعين أو أصحاب المصارف وبين الحسابات التشغيلية العادية ‏للناس‎. 


ثالثاً: العمل على تقليص حجم القطاع العام بنسبة لا تقل عن ثلاثين في المئة، من دون أي اعتبار لجيش العاطلين من ‏العمل الذي سيقود ثورة اجتماعية الى جانب العاطلين أصلاً من العمل‎. 


رابعاً: الشروع في بيع المؤسسات الناشطة للقطاع الخاص، من كهرباء لبنان الى الهاتف بنسختيه الثابتة والخلوي الى ‏كازينو لبنان الى شركة الميدل ايست الى مصلحة التبغ والتنباك وبعض قطاعات النقل (هل تذكرون الورقة ‏الإصلاحية الخاصة بسعد الحريري؟‎). 


خامساً: عرض الأصول الأخرى للدولة، من ذهب وأملاك عامة برية أو بحرية، للتداول (البيع) بما يسمح باستقطاب ‏رؤوس أموال جديدة‎. 


سادساً: تحرير سعر الدولار الاميركي وتركه رهن سوق العرض والطلب في الاسواق المالية وتعاملات المؤسسات ‏النقدية في البلاد، وعدم توفير أي دعم إضافي لقطاعات النقل والمحروقات والقمح والادوية‎. 


سابعاً: اعتماد نظام ضريبي جديد يسمح بتحصيل عائدات اضافية من خلال أسعار المحروقات (زيادة سعر صفيحة ‏البنزين) أو أدوات الاستهلاك (زيادة الضريبة على القيمة المضافة‎). 


ثامناً: إعادة هيكلة الدولة بطريقة تمنح القطاع الخاص فرصة أكبر للمشاركة في إدارة جميع مؤسسات الدولة، وإعادة ‏هيكلة القطاع المصرفي بعد توفير دعم له لإعادة إطلاق دورة العمل الخاص بها، وتوفير حاجته من السيولة عبر سداد ‏الدولة لديونها لمصلحة المصارف‎. 


تقول المصادر إن هذه الافكار هي حصيلة سلة الشروط. لكن مؤسسة لازارد تعرف أن الحكومة اللبنانية غير قادرة أو ‏غير موافقة على السير بها كلها. والمشكلة هنا، أن الحكومة إن وافقت على مبدأ التفاوض، فسوف تجد نفسها بعد وقت ‏قصير أسيرة لعبة الشروط، كما هي حال الدول التي تورطت مع صندوق النقد خلال العقود الثلاثة الماضية في أكثر ‏من منطقة من العالم، وحيث لم تؤدِّ برامج الصندوق الى حماية أي نظام مالي من الانهيار المتواصل. وكل دولة عادت ‏لتقف من جديد، إنما فعلت ذلك من خلال اللجوء الى خيارات أخرى، أساسها برامج تحفيز تعيد دورة العمل في ‏الاقتصاد العام، وهو ما ليس متوافراً أبداً في المشروع الخاص بلبنان، لأن القيّمين على التفاوض، سواء في لبنان أم من ‏المؤسسات الاستشارية الدولية، ليسوا سوى موظفين لدى حزب المصرف نفسه‎! 


تشير المصادر الى أن حزب المصرف يراهن على توفر غالبية وزارية معه، تشمل الفريق الوزاري لرئيس الحكومة ‏والتيار الوطني الحر وتيار المردة، ووزير المالية، وأن الموقف الاعتراضي لثنائي حركة أمل وحزب الله لن يتحول ‏الى معركة قاسية، وأن السقف تم خفضه أصلاً في المداولات الجارية، وسيكون الثنائي مضطراً إلى السير بالتوافق ‏الوزاري العام. وبناءً على التصوّر هذا، سيُعرض الأمر على حزب الله وحركة أمل قريباً‎. 


يبدو أن الفريق الحكومي المستميت للسير ببرنامج صندوق النقد يقرأ مواقف حزب الله وأمل بطريقة مختلفة. فأعضاء ‏هذا الفريق قالوا في حلقات نقاش جانبية إن الموقف الذي أعلنه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله قبل مدة، ‏حول عدم وجود رفض للتعاون مع صندوق النقد، هو غطاء لنا للسير في التفاوض، وأن الرئيس نبيه بري قال الكلام ‏نفسه في الاجتماع الموسع الذي عقد في القصر الجمهوري قبل مدة. لكن حقيقة الامر أن حزب الله عاد وأوضح ‏لمعنيين، أنه لا يعارض مبدأ التفاوض، لكنه سيعارض حكماً الشروط القاسية التي يفرضها صندوق النقد، وأن حركة ‏أمل تطلب عدم اعتبار الموقف بطاقة خضراء ما لم يتم استنفاد الخيارات الاخرى‎.‎
‎ 
وفي المناقشات المضادة، تبين أن الرئيس ميشال عون استقبل قبل مدة خبراء، بينهم مَن خدم لوقت طويل في ‏صندوق النقد، ومنهم من هو موجود الآن في الولايات المتحدة الأميركية. وهؤلاء حذروا رئيس الجمهورية من ‏خطورة السير في برنامج صندوق النقد، لأنه سيدمّر ما بقي من أصول يملكها لبنان، وأن هذا البرنامج لن يساعد ‏في قيام اقتصاد منتج‎. 


وبحسب مداولات جارية، فإن شركة لازارد الوسيطة مع صندوق النقد في مفاوضات غير رسمية، تقول إنه في ‏حال وافق لبنان على السير في الشروط، فسيوفر صندوق النقد تمويلاً على ثلاث سنوات بقيمة 5 مليارات دولار ‏لكل سنة. لكن هذه المؤسسة لم تحصل على وثائق رسمية تدعم موقفها. وهو حال كثيرين من جماعة حزب ‏المصرف الذين يتحدثون بطريقة تعكس إما درجة عالية من الغباء أو درجة أعلى من التآمر على مصالح لبنان ‏الاستراتيجية. وهي نقاط بات واجباً التوقف عندها. ومن هنا، يمكن الالتفات الى أن في لبنان قوى قوية لا تزال ‏تتصرف على أساس أنه يجب إرضاء الاميركيين والغربيين قبل أي شيء آخر‎. 


وفي مواجهة هذه الفكرة، اتضح أن فريقاً يملك تصورات لعلاجات محلية، لديه من الارقام والمعطيات ما يشير الى ‏أن العجز الفعلي في ميزان المدفوعات يمكن تقليصه مع تراجع الاستيراد من جهة، بسبب الوضع المالي في لبنان ‏وأزمة كورونا المستجدة، وأن تنشيط الاقتصاد المحلي يساعد في رفع مستوى الصادرات، لأن كلفتها ستكون أقل ‏مع تراجع قيمة العملة المحلية‎.‎ 


وهذا يسمح بتقديرات علمية تقود الى تقليص العجز في ميزان المدفوعات بدرجة كبيرة، وأن الفارق يمكن تغطيته ‏من خلال موجودات مصرف لبنان (هذا إذا صدق رياض سلامة في أنها تبلغ حالياً نحو 21 مليار دولار). إضافة ‏الى ذلك، فإن عملية تدفق الاموال الى لبنان من خارج النظام المصرفي التقليدي لا تزال جارية من دون توقف. ‏وبعض التقديرات غير الرسمية تشير إلى تدفق مليارات الدولارات سنوياً وسيرها في الاقتصاد غير المنظم القائم ‏اليوم، علماً بأن محافظة مصرف لبنان على السعر الرسمي للدولار الحالي (1500 ليرة) سيساعد على حماية ‏جزء من حاجات الناس الرئيسية‎. 


الخطير في الأمر، وما يجب أن يعرفه الناس، هو أن اللوائح المُعدّة من قبل وزير المالية الحالي للمرشحين ‏للمناصب المالية الشاغرة، لا تعبّر إلا عن تطلعات حزب المصرف وأغنياء لبنان المنتشرين ليس في المؤسسات ‏العامة أو في القطاع المصرفي وحسب، بل أيضاً في بعض المجموعات التي تزعم أنها "الأساس" في انتفاضة ‏‏17 تشرين‎. 


يبدو أن لبنان مقبل على مواجهة غير مسبوقة، قد تعيد الناس مجدداً الى الشارع. لكن الأمر قد يظهر هذه المرة على ‏شكل مختلف، وبتحالفات مختلفة، وربما بأداوات اعتراض مختلفة. والأمر كله الآن بيد رئيس الحكومة حسان ‏دياب أولاً، وبيد فريق سياسي يفترض أنه قرّر تحمّل المسؤولية عندما سار في هذه الحكومة‎.‎