الشرق : قرار التدقيق في موجودات مصرف لبنان: السحر ‏سينقلب على "الساحر السياسي‎" ‎
 
صحف | 2020-04-01
يبدو القريبون من وجهة نظر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من أكثر المتحمسين للقرار ‏الأخير الذي اتخذه مجلس الوزراء بتكليف وزير المال غازي وزني إجراء تدقيق مالي في ‏حسابات المصرف وموجوداته لمعرفة الأسباب التي أوصلت الوضع المالي والنقدي ‏والاقتصادي والمصرفي الى ما هو عليه اليوم من أزمات معقدة ودقيقة.

 وخلافا للانطباع ‏الذي تسعى جهات سياسية معروفة بسعيها الى استكمال سيطرتها على مواقع القرار ‏الأساسية والاستراتيجية للدولة اللبنانية الى التسويق له، من أن القرار الأخير للحكومة يعتبر ‏تطويقاً لحاكم مصرف لبنان وإحراجاً له تمهيداً لإخراجه، فإن جهات مصرفية واسعة الإطلاع ‏تؤكد لـ"المركزية" بأن مثل هذا القرار - بمعزل عن خلفياته - هو ما كان ينتظره سلامة منذ ‏فترة، لأن لا شيء في أرقام مصرف لبنان يستدعي الإخفاء. لا بل العكس، ذلك إن ما يعتبره ‏خصومه فخاً له سيكون وضعاً للنقاط على الحروف وخاتمة لهذه المسرحية الهزلية التي ‏تجند لها المنظومة السياسية كل طاقاتها البشرية والإعلامية والمادية والسياسية والحزبية ‏والشعبية‎.‎
‎ ‎
أما "المفاجأة الحقيقية" التي تعبر عنها الجهات المصرفية المذكورة فهي تخوفها من أن ‏يبقى قرار مجلس الوزراء حبرا على ورق، ومجرد دعاية إعلامية من دون مفاعيل، لأن نتيجته ‏ستصب حتماً في مصلحة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وستشكل إدانة صريحة ‏للسياسات الحكومية ولنهج المنظومة الحاكمة التي لم تأخذ في الاعتبار أيا من نصائح ‏واقتراحات حاكم مصرف لبنان المدونة في محاضر الاجتماعات واللقاءات، وتلك المرفوعة ‏في المذكرات الى الجهات المحلية والمانحة والمؤتمرات الداعمة للبنان، والموثقة بالصورة ‏والصوت في كثير من الأحيان‎.‎
‎ ‎
وتلفت الجهات المصرفية الواسعة الإطلاع إلى أن الذين يخوضون الحملة على حاكم ‏مصرف لبنان، إما جاهلون في القانون، وإما أنهم يتقصدون عمدا عدم الأخذ بما ينص عليه ‏قانون النقد والتسليف وتنظيم مصرف لبنان لا سيما لناحية المسؤوليات الخاصة بالقرارات ‏العائدة الى إدارة المصرف والسياسات النقدية والتسليفية والفوائد المعتمدة من قبله ‏وإقراض القطاع العام ووضع الموازنات السنوية والموافقة على التقرير السنوي الذي ‏يرفعه الحاكم الى وزير المال، وهي مسؤوليات المجلس المركزي مجتمعا، وليست ‏مسؤولية الحاكم حصراً كما يحاول البعض تصويره عن جهل أو عن عمد لتشويه صورة ‏رياض سلامة ومحاولة التفلت من المسؤوليات العائدة الى السياسيين، من خلال الذين ‏انتدبوهم وسموهم لتولي عضوية المجلس المركزي‎ .‎
‎ ‎
أما صلاحيات حاكم مصرف لبنان فهي إدارة المصرف العامة وتطبيق القانون وقرارات ‏المجلس المركزي‎.‎
‎ ‎
وتقول الجهات المصرفية الواسعة الإطلاع إن حاكم مصرف لبنان هو مسؤول عن النواحي ‏الإدارية في المصرف، كما إنه مسؤول عن تنفيذ السياسات، وليس عن التفرد برسمها. ‏صحيح له رأي في هذه السياسات، لكن رأيه هو واحد على سبعة وبالتالي فإن القرار في ‏شأن رسم السياسات وإقرارها يعود الى المجلس المركزي وفقاً للآليات القانونية ‏المنصوص عنها في القانون‎.‎
‎ ‎
هل من شك، خصوصا في ضوء الخلافات التحاصصية التي تتجدد بين أركان السلطة عشية ‏كل تعيين، كما هو حاصل اليوم، بأن أعضاء المجلس المركزي لاسيما نواب الحاكم هم ‏ممثلو القادة السياسيين الذين يمسكون بالحكم؟ فهل يمكن لأحد أن ينفي بأن نائب الحاكم ‏الدرزي تسميه المرجعية السياسية الدرزية، ونائب الحاكم السني تسميه المرجعية السياسية ‏السنية، ونائب الحاكم الشيعي تسميه المرجعية السياسية الشيعية؟ وهل من شك في أن ‏المديرين العامين لوزارتي المال والاقتصاد معينان من الحكومة، وبالتالي فهما جزء من ‏المحاصصة السياسية في تعيينات الفئة الأولى؟
‎ ‎
وتتابع: "لنفترض أن هناك أخطاء، أو ارتكابات في مصرف لبنان. فأين كانت وزارة المال، ‏بوزرائها المتعاقبين من هذه الأخطاء والارتكابات، خصوصا أن القانون يجيز، لا بل يلزم ‏الوزارة بمراقبة مصرف لبنان. وتؤكد الجهات المصرفية الواسعة الإطلاع الى هذه ‏النصوص القانونية للتأكيد بأن حاكم مصرف لبنان رياض سلامه سيكون المستفيد الأول ‏من أي تدقيق مالي على خلفية إدارته للمصرف، لأن مثل هذا التدقيق سيظهر قيامه ‏بمسؤولياته على أكمل وجه من دون أية شائبة إدارية‎.‎
‎ ‎
أما السياسات النقدية والمالية التي ترميها السلطة السياسية في ملعب سلامه للتبرؤ من ‏مفاعيلها ونتائجها، فسيكون رده عليها واضحا من خلال التذكير بما سبق له أن أعلنه على ‏الملأ داخليا وخارجيا في أكثر من مسألة واستحقاق ليس أقلها على سبيل المثال لا الحصر‎:‎
‎ ‎
موقفه الدائم المحذر للحكومة من مخاطر العجز المتمادي وعدم ضبط الانفاق في ‏الموازنات السنوية التي كانت تعتمدها بعد موافقة مجلس النواب‎.‎
‎ ‎
موقفه المعروف والصريح والقديم من ضرورة وضع حد لعجز الكهرباء المقدر بنحو 1.5 ‏مليار كمعدل وسطي سنويا على مدى السنوات الـ25 الماضية والبالغ اليوم حوالى 47 ‏مليار دولار‎.‎
‎ ‎
موقفه من المخاطر المالية لإقرار سلسلة الرتب والرواتب من دون تأمين المداخيل التي ‏تغطيها‎.‎
‎ ‎
وتختم الجهات المصرفية الواسعة الإطلاع بالقول: "إن خطأ رياض سلامه الأساسي هو انه ‏الصامت الاكبر حرصا على عدم اقحام القطاع في السجالات السياسية، وعدم الرد على ما ‏يتهم به من خلال وضع النقاط على الحروف وتحميل المسؤوليات كما هي الى من يجب أن ‏يتحملها‎".‎