الأخبار : التعيينات المالية: حقارة وعجز واستسلام‎!‎
 
صحف | 2020-04-01
في زمن الكورونا، حين يختبئ البشر خلف جدران من هواء خشية على بقية عمرهم، يظهر المتنفذون في غالبية ‏الدول قليلي الشجاعة. أميركا تصرخ والناس يتدافعون بحثاً عن ملاذ، لأنهم لا يثقون بالحاكم. أوروبا تكاد تلفظ أنفاسها ‏مكتشفة للمرة الاولى أنها القارة العجوز. والدول الصغيرة تحاول الثبات من أجل البقاء في عالم لا يرحم فيه قويّ ‏ضعيفاً. ولأن الأمر على هذا النحو، ترى البشر لا يغيّرون عاداتهم‎. 



يروي لي مساعد أحد المسؤولين في بلادنا، أنه يُعِدّ لرئيسه تقريراً موجزاً عن حالة البلاد وأوضاع الناس الصعبة. ‏وعندما يلتقيه صباحاً يأتيه السؤال: هل عثروا على اللقاح؟‎ 
قلت له إن الرجل ربما يهتم بما يبقي الناس على قيد الحياة. أجابني: أنت لا تعرفه كما أعرفه أنا. ولو أن الأمر ‏كذلك، لكانت بقية النهار مستهلكة في الدفاع عن حقوق المقهورين منذ ما قبل زمن كورونا‎. 
أنا هنا لست لأطالب المساعد بالخروج من موقعه. أعرف جيداً أنه سيموت من الجوع لو فعل ذلك. لكن سؤالي كما ‏بقية الناس: ما الذي يجب أن يحصل حتى يغيّر هؤلاء المتنفذون من سلوكهم؟ ما الذي يجب أن يحصل من الطبيعة ‏أو من الناس حتى يُقِرّ هؤلاء، ولو لثوان، بأنهم أحد الاسباب الرئيسية للأزمة التي نحن فيها؟ ما الذي يمكن القيام ‏به لإقناعهم بأن في الحياة نظام تقاعد، لا الموت وحده، يبعدهم عن القرار؟‎ 


ها هي البلاد تئن تحت وطاة أزمة لا علاج قريباً لها. قد يجدون اللقاحات والأمصال لفيروس كورونا، لكننا في ‏لبنان، لا نعرف كيف نجد العلاج المضاد لوباء أهل السلطة ورجالها، الاصليون منهم أو الجدد. ولا نعرف كيف ‏يمكن أن يستفيق هؤلاء، ولو للحظة واحدة، ناظرين من حولهم، ليجدوا البيت وقد تهدم.. كيف يمكن إقناع من فشل ‏في إدارة البلاد على مرّ ثلاثين سنة وأكثر، بأنه حان وقت الرحيل، وأن الرحيل من تلقاء النفس أفضل من الترحيل ‏بقوة النار والحديد وغضب الجائعين. كيف يمكن إقناع كل أرباب السلطة، المالية والسياسية والاقتصادية والدينية ‏والاجتماعية والحزبية، بأن الزمن لم يعد يحتمل مجرد وجودهم في مواقع السلطة، فكيف سيتحمل تجاربهم الجديدة ‏في إدارة بلاد منهكة؟‎ 


كيف لهؤلاء أن يفهموا أن هذا البلد المريض، المثخن بجراحه، يعاني ما يعانيه بسببهم؟ أو لنقل أقلّه، بسبب فشلهم ‏في معالجته؟ لقد كانوا يحتلون المقاعد كافة. منحوا أنفسهم كل شهادات الطب والعلم، وبأنهم هم من سوف ينقذون ‏المريض من الموت. وبعدما عجزوا، واستفحل المرض، وعجزوا عن العلاج، ها هم لا يريدون ترك الامر ‏لغيرهم. وحتى إذا ابتعدوا قليلاً، يريدون أن يختاروا هم من ينوب عنهم في معالجة المريض. كيف يمكن لهؤلاء أن ‏يشعروا بقليل من الانسانية ويعتبروا من أزمة العالم اليوم، ويبتعدوا بصمت؟‎ 


اليوم، تقبل الحكومة على أول استحقاق إداري كبير له صلة بكل ملفات البلاد المقبلة. إنه استحقاق التعيينات المالية ‏في مناصب شاغرة في مصرف لبنان ولجانه وتوابعه. لكن الحكومة التي كان بمقدورها اعتماد آلية جديدة لاختيار ‏المرشحين، تعود لتعمل وفق قواعد اللعبة ذاتها. كيف لحسان دياب أن لا يدرك أنه بقوة الشارع والمزاج العام ‏فرض على جميع القوى السياسية البحث عن ممثلين غير تقليديين لهم في الحكومة؟ كيف نقنع حسان دياب بأن في ‏مقدوره اليوم ايضاً فرض آلية جديدة للتعيينات الادارية في البلاد، وأن يرفض الآليات التي أدت الى فساد الادارة ‏العامة والى الانهيار العام. وكلنا نعرف أن المشكلة ليست محصورة في رأس الهرم. وعدا عن أصل النظام ‏ووظيفته في الإقليم والعالم، لم يكن الوزراء وحدهم مسؤولين عن الانهيار وسوء الإدارة، بل الاساس أيضاً جيش ‏رؤساء الادارات الذين ظلوا في أمكنتهم، ينفذون كل ما يطلب منهم، ويضيفون ما يناسب مصالحهم، حتى وصلنا ‏الى الخراب الكبير‎.‎
‎ 
كيف لهذه الحكومة أن تقبل بهذه الآلية التي تبقي الأمر على حاله: هذا هو جبران باسيل، فاز بعدد من المقاعد ( لا ‏يهمه إن كان بعضهم طرد من عمله لفشله في القيام بما هو مطلوب منه). وها هو حزب الطاشناق ثبت أن أي ‏موظف أرمني يجب أن يحظى ببركته. وها هو الرئيس نبيه بري، يريد من جديد تعيين وزير المالية، ونائب حاكم ‏مصرف لبنان، وعضو لجنة الرقابة على المصارف، والمدير العام لوزارة الاقتصاد (حتى حزب الله لا يشارك ‏في الاختيار؟). وها هو طلال أرسلان مسرور لأنه فاز بحصة وليد جنبلاط في حاكمية مصرف لبنان (في ‏الحكومة من يفكر في ترك العضو الدرزي في هيئة الأسواق المالية لجنبلاط، خشية أن يثور الاخير على ‏الحكومة). وها هو حسان دياب يفوز أيضاً بمقعدين، وهو يعرف أنهما ليسا من جماعة الولاء، وفي أي لحظة ‏تبدُّل، ستراهم في بيت الوسط. وفوق كل ذلك، ها هي المنظومة المالية في البلاد، من مصارف ورجال أعمال، ‏تفرض مرشحيها من الموظفين الذين تشير الوقائع الى أنهم إما فاشلون في مؤسسات تعاني العجز اليوم، وإما ‏ضعفاء لا يجرؤون على المواجهة. فكان صمتهم شراكة كاملة في الجريمة‎... 


ترى، من يستغرب ضحكات رياض سلامة العالية، فمن يقدر على إقناعه بالتغيير أو بالرحيل؟‎ 
طيب، لماذا لا تصدرون قرارات أكثر مباشرة ووضوح، فيكون محمد الحريري رئيساً للجنة الرقابة على ‏المصارف، ومعه ثلة يختارها سليم صفير؟ لماذا لا يتم تعيين مروان خير الدين وأنور الجمال ونديم الملّا نواباً ‏للحاكم، بينما يختار لكم فؤاد السنيورة ثلة لتولّي هيئة الاسواق المالية، ويرشح لكم المطران الياس عودة مفوّضاً ‏للحكومة يختبره غسان حاصباني؟‎ 


أليس من خيار آخر؟‎ 
بلى هناك خيار آخر، لو أراد حسان دياب لفعل ذلك. هل هو لا يعرف أن الطبقة الحاكمة صاحبة النفوذ المستمر، ‏لا يمكنها العيش من دونه الآن؟ ليس صحيحاً، حتى في زمن كورونا، أن بمقدور هذه الطبقة المتنفذة في كل ‏الأمكنة أن تأتي بحكومة على ذوقها الآن، وهم يعرفون أن المزاج العام في البلاد لا يحتمل المزاح، وأن الجوع ‏سيجعل الناس يختارون الخضوع لاختبار كورونا بدل البقاء في المنازل في انتظار صدقة هذا وشفقة ذاك‎. 


لو أراد حسان دياب، وبيده الأمر، لقال إن قواعد اللعبة اختلفت، وإن التعيينات لا تتم بهذه الطريقة، وإن المواقع ‏الشاغرة هي حق مشروع لكل الناس المؤهلين. ولو أراد، لفرض آلية شفافة تسمح لأي مواطن لبناني، ومن دون ‏أي شرط مسبق، طائفي أو ديني أو مذهبي أو وظيفي بالتقدم لشغل هذه المناصب، وأن تكون هناك لجنة ‏متخصصة تتولى دراسة هذه الترشيحات، وإجراء المقابلات المطلوبة، والسير في وجهة قبل اختيار الافضل ‏وتعيينهم‎. 


يأتي من يقول، ومن هي هذه اللجنة؟ وكأن البلاد خالية من الأكفاء. ألا يعرف حسان دياب، ومعه كل الوزراء ‏الجدد، أن في لبنان شخصيات لها خبرتها وتجربتها التي تسمح لها بالاختيار الأفضل؟ هل تريدون لائحة ‏تختارون منها مشرفين على هذه العملية: ما رأيكم لو تشكلت لجنة تضم الياس سابا، سمير المقدسي، منير راشد، ‏جورج قرم، حسين كنعان، زياد حافظ، صالح نصولي، عبد الله أبو حبيب وغيرهم وغيرهم‎... 


هل يريد حسان دياب، ومعه الوزراء في هذه الحكومة، المشاركة في جريمة العصر؟ هذه الجريمة التي تعني أولاً ‏أن على اللبنانيين عدم انتظار أي إصلاح في القطاع المصرفي. وعلى الناس عدم انتظار تغييرات جدية في ‏السياسات المالية أو البرامج العملانية في ما خصّ السياسة النقدية. وأن على الناس انتظار قرارات تسقط فجأة ‏باسم الخبراء الدوليين، توصي بسرقة حقوقهم الشخصية في المصارف وفي مؤسسات الضمان العامة، وتفرض ‏عليهم العمل كما لو أننا في زمن السخرة لخدمة هؤلاء الفاسدين على أنواعهم، وأن لا بدائل أمامهم. حتى الهجرة ‏في عالم ما بعد كورونا لن تكون خياراً متاحاً‎...‎