في الذكرى 31 لاستشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: ذهب القيادة
 
مقالاتنا | الكاتب :المهندس سعد الدبن حسن خالد 2020-05-16
حسن خالد ذهب القيادة السياسية والوطنية التي لم تلغِ ذهب الإفتاء.. نعم ذهب القيادة السياسية والوطنية بل ماسها.. القيادة التي كتبت التاريخ بأحرف الصدق، وكتب عنها التاريخ بكل حروف الوفاء..

حسن خالد القائد للطائفة الذي لم يكن طائفياً بين الطوائف، بل كان المؤمن الصادق الذي حمى الطائفة والطوائف بوطنيته في وطن ثراءه الأول هو الطوائف..

هو المفتي الذي حارب الطائفية وحارب وحورب من الساسة الطائفيين..

حسن خالد كثر غَيّبوا بعد استشهاده ما كان أنتجه حضوره المضيء في كل مجال في حياته من خلال ما قدّمه من أجمل صور السلوك الوطني المميّز، ورجولة المواقف التي في الدفاع عن الحق لم يكن لها حدود.. أتحدث عن كل أولئك الصغار الذين كانوا يعرفون أن استذكار حضوره المضيء يلغي حضورهم، أو يجعل الناس تقارن..

أحدثكم اليوم في الذكرى السنوية الثلاثين للغياب عن الرجل الذي كان واحداً ممن كانت جهودهم ونضالاتهم وتضحياتهم ومعاناتهم من أساسات الاصلاح السياسي في لبنان الذي أمن التوازن في الدستور والنظام، وأعطى الحقوق، وكفل المساواة، وحقق الكثير من أوجه العدالة..

أحدثكم عن رجل العقدين ونيّف من العطاء والإخلاص والعمل على كل صعيد في مسيرة أرادوها أن تتوقف في ١٦ أيار ١٩٨٩ ليس سوى لأن وجود الكبار في الأوطان سلاح فأرادوا بالاغتيال أن يكون الوطن أعزل..

لا أخاطبكم لأني إبن له بصلة الدم، بل أخاطبكم لأني مثلكم أنتمي إليه..

حسن خالد أحد مناضلي الاصلاح السياسي الذي لم يكن اتفاق الطائف سوى طباعة منقحة لثمرة كل تلك الجهود والتضحيات والمعاناة والعطاءات التي بذلت في عهده، والمؤسف - ولست أضيع هنا جهود أحد - أن الجميع ما بعد الطائف أشادوا بمن طبع، ونسوا أو تناسوا أو أهملوا - ولكل منهم أسبابه وغاياته - من صاغوا الحروف والبنود والفقرات والأسس بنضالاتهم تارة، وتارة بدمائهم، وتارة بصمودهم، وتارة بتحدّيهم قسوة الواقع، وتارة بتحدّيهم المدفع وهم عزّلا إلا من إيمانهم بالله وتمسّكهم بالحق والجرأة بالمطالبة بالحق والدفاع عنه، يوم كان لا يجرؤ على الوقوف في وجه المدفع مدفع..

أحدثكم عن ذهب القيادة وماسها.. عن من لم يجد تجار السياسة والشعارات مساحة لذكراه أو للوفاء له ما عدا بعض ما يتطلبه حفظ ماء الوجوه لدى من تهمه الصورة لتحافظ على أناقتها حيث تدعو الحاجة أو المصلحة..

أحدثكم عن الرجل الكبير حسن خالد الذي أَهدرت دماءه في لحظة غدر حفنة ذئاب من القتلة المجرمين بكل أحجامهم لكي يسهل عليهم افتراس الوطن والناس، والذي أهدر فيما بعد ولسنوات ما يفترض انها حقوقه في الوفاء كل من امتلكوا قوة الفعل بإسم الوطنية، وبإسم السيادة، وبإسم الطوائف، وبإسم السياسة، وبإسم الاستقلال، وبإسم الانقلاب على سوريا، بعدما كانوا في معظمهم من صناعتها ورجالها، وهو الذي في حياته ودمائه ومسيرته وتضحياته كان أصل السياسة، وأصل الوطنية، وأصل السيادة، وأصل الاستقلال، وأصل القرار الحر، وأصل المواجهة مع سوريا يوم تجاوزت سوريا ما ليس لها فيه حق أن تتجاوز..

أحدثكم عن من وصفوه بتاج الافتاء.. عن من قالوا عنه أنه من الأولياء الصالحين.. أحدثكم عن من لم يهادن على حساب حق أو قضية مشروعة.. أحدثكم عن من حين سأله الموفد الأميركي عما إذا كان يرضى المسلمون بالمناصفة مع المسيحيين في المجلس النيابي في إطار المساعي التي كانت جارية في أيامه لإيجاد حل، أجابه «نرضى بذلك الى أن يرى اللبنانيون خلاف ذلك».. لم يقل المسلمون بل قال اللبنانيون.. هو الكبير الأمين الذي لم يشأ أن يصادر المستقبل من حساب من يفترض أنهم سيكونون أبناء هذا المستقبل، وأعني بهم اللبنانيين جميعا بأجيالهم جميعا..

هذا هو الشيخ حسن خالد الذي قال للموفد البريطاني يوما حين جاء الى لبنان وزاره من ضمن الزيارات التي كان يقوم به متقصّيا عن القس «تيري ويت» الذي خطف في تلك المرحلة أن «لبنان كله مخطوف» وليس المخطوف فقط «تيري ويت»..

هذا هو الشيخ حسن خالد الذي أخلاقه وجرأته وصدقه ووطنيته وعروبته هي في حد ذاتها نصوص يفترض أن يلجأ إليها دائما كما كل أدبياته في التعامل لكل من يبحث عن طريقة فضلى للتعامل وحل المشكلات والأزمات، وطريقة فضلى لكيف تصان الحقوق، وكيف تشرع، وعن كيف تكون الوطنية، وكيف يكون المسؤول عن رعيته مسؤولاً عن رعيته..

هذا هو المفتي حسن خالد الذي عاصر الملوك ولم يغتني، وعاصر الرؤساء من كل لون ولم يستقوي..

هذا هو الشيخ حسن خالد الذي قال لياسر عرفات ان الفدائيين الفلسطينيين جيش السنّة الى فلسطين، وليس جيش السنّة في الداخل اللبناني، كما حاول التسويق أو التفسير البعض لغايات متنوّعة..

هو في هذه المسألة كان حاسماً.. حاسماً في رفضه الاقتتال الداخلي وحمل اللبناني للسلاح في وجه أخيه اللبناني الآخر.. وله رحمه الله في هذا المجال كلاماً في منتهى الوضوح وهو الذي قال جازما يوما «لا نريد إنشاء ميليشيا للسنّة لأننا نرفض الإكراه على قبول ما نريده».. كان يعني أنه يرفض انشاء ميليشيا للسنة لاستخدام السلاح لإكراه الآخرين على القبول بالاصلاح السياسي..

هذا هو حسن خالد المرجعية الوطنية الصالحة.. حسن خالد القائد المؤمن والوطني الذي لم تكن وطنيته على حساب طائفته، ولا حبه لطائفته وحرصه عليها كان على حساب وطنيته..

هو الذي قال يوما: «الطائفة السنية ليست هزيلة... ويجب أن يحسب لها كل الحساب».

هذا هو حسن خالد رحمه الله.. هذا هو ذهب القيادة في عالم السياسة والوطنية والدين معا.. الذي لم يخلط بين الدين والسياسة، ولم يترك وطنه ولا صغيرة أو كبيرة تهم وطنه أو الناس في وطنه إلا وكان في صدارة المواجهين..

هذا هو الكبير الذي لم يميّز بين مواطن وآخر تحت سقف الوطنية.. هذا هو الذي حدّد بصراحة المشكلة وحصرها بالمتاجرين بالطوائف والدين، ولم يرها أبدا أنها في الطوائف أو الدين...

هذا هو الذي طالب بالحق والمساواة، وعدم التمييز والشراكة بكل أدب وجرأة وتصميم وحكمة...

هذا هو حسن خالد الرجل الكبير الذي حاول طمس ذكراه الكثيرين من الصغار الذين توهموا أنهم بمحو ذكرى الكبار يكبرون..

ربما يسأل منكم يا أخوتي سائل عن جدوى التذكير اليوم بما فعله المفتي الشيخ حسن خالد وبالمواصفات والمزايا القيادية التي كان عرفه الجميع بها محليا وعربيا ودوليا..

أقول لكم هذا وقته.. ليس لأنها ذكراه أو لأن هناك من الأجيال الجديدة من بسبب العمر لا يعرف...

هذا وقته لأنه لربما في استنهاض التاريخ المضيء ننهض من حيث نحن اليوم فيه.. في هذا المنحدر من التردّي على كل صعيد الذي يخالف كل ما كنا عليه فيه على مدى التاريخ..

لم يعد مجدياً إلقاء تبعات ما نحن فيه اليوم على الغير.. فما نحن فيه ليس سوى نتاج أفعال البعض منا، وأعرف أنكم جميعا تعرفون أن ما أقوله هو الصواب.. فما نراه لم يعد من المقبول السكوت عنه.. لم يعد من المقبول التعامل مع طائفتنا من داخلها على نحو ما نراه اليوم وما كنا رأيناه على مراحل.. فطائفتنا هي أكبر من أن يتم التعامل معها من داخلها على هذا النحو، أو أن يخاطبها أحد من داخلها على هذا النحو..

من يود أن يدافع عن مصالحه الخاصة أو طموحاته الخاصة فلا يقم بذلك على حساب ما هو عام ومتعلق بمصالح طائفة هي أكبر من مصالح أو طموح أحد داخلها كائن من كان..

طائفتنا هي أكبر من أن يستمر أحد أن يخاطبها بالغرائز ليجعلها تتعامل معه من خارج العقل في خدمة مصلحة له أو طموح..

هذه الطائفة اختبرت الجميع.. اتركوها في همومها.. يكفيها تذكّركم لها في المواسم.. ونسيانكم لها في ما تبقّى...

في كلامي عن الطائفة ليس فيه أي بُعد طائفي فأنا نشأت وتربيت في بيت وطني وعربي بامتياز، وسأبقى كذلك ولن أغيّر.. لكن ما أفهمه عن الوطنية أو العروبة انها لا تلغي حق الإنسان في أن يصف أحوال من ينتمي إليهم، أو أن يكون حريصاً عليهم وهذا لا يلغي أبدا حرصه على الجميع، فنحن جميعا مواطنين في بلد نحبه كثيرا، ونفخر بكل الشرفاء المخلصين من أبنائه وبناته بمعزل عمن يكونوا...

أما أنت يا شهيدنا ويا حبيبنا.. فلك منا دائما العهد أن نبقى أمناء على مسيرتك ونهجك ومدرستك، وأن نبقى متمسّكين بتعاليمك وأخلاقك، وأن نبقى وراء مطلب العدالة في قضيتك حتى ينال المجرمون عقابهم مهما علا شأنهم..

نعاهدك يا شهيدنا أن نبقى متمسّكين بدولة السيادة والحرية والاستقلال التي لا مكان فيها للفوضى أو لسيادة غير سيادة القانون والدستور، وليس فيها سلاح سوى سلاح المؤسسات الشرعية الرسمية، وليس فيها لأحد ميزة على حساب القانون والعيش المشترك...

نعاهدك يا شهيدنا وحبيبنا أن لا نحلّق أبدا خارج سماء وطنيتنا وعروبتنا التي خبرنا كم كانت فيها المصالح المشتركة والتاريخ نجوم مضاءة..

نعاهدك بالوقوف دائما في وجه كل ظالم وكل فاسد وكل هادر للمال العام وكل مسيء للوحدة الوطنية أو للوطن.

نعاهدك أخيرا أن نبقى الى جانب كل حق، والى جانب كل مظلوم، وكل محتاج، وكل سائل سبيل وأن لا نخشى في قول الحق لومة لائم...

 

وفي النهاية لروحك الطاهرة وأرواح رفاقك ألف تحية