الأخبار : هل يُلغي المجلس "الدستوري" موازنة 2018؟

 
صحف | المصدر :وكالات - 2018-04-25
تقدم عشرة نواب بطعن بقانون الموازنة أمام المجلس الدستوري. في ‏المعطيات المطروحة، يبدو أن المجلس متجه لوضع اليد على قانون ‏الموازنة للمرة الأولى في تاريخه. فهل يصدر قراراً تاريخياً بإلغاء موازنة ‏‏2018 وإعادة الانتظام المالي إلى السكة الدستورية؟

منذ عشرين عاماً، لم يتلقَّ المجلس الدستوري أي طعن بقانون الموازنة العامة. في عام 2017، جرت محاولة من ‏حزب الكتائب، إلا أنه نتيجة الضغوط، التي تردد أنها مورست على النواب، لم يتمكن معدو الطعن من الحصول ‏على عشرة تواقيع تسمح بتقديمه. كان ذلك بعد نجاح الحزب نفسه في الحصول على التواقيع العشرة المطلوبة ‏للطعن بقانون الضرائب المرافق لسلسلة الرتب والرواتب، والذي أفتى المجلس الدستوري بإبطاله لاحقاً‎.‎ 


تؤكد مصادر كتائبية لـ"الأخبار" أن الطعن الذي قدمه أمس رئيس الحزب سامي الجميِّل إلى المجلس الدستوري، ‏أُعدَّ فور الانتهاء من إقرار الموازنة في 29 آذار الماضي، من قبل المحامية لارا سعادة، حيث بوشر بعدها السعي ‏إلى جمع عشرة تواقيع. وبالفعل، وقَّع المراجعةَ نوابُ الكتائب الخمسة (سامي الجميِّل، فادي الهبر، سامر سعادة، ‏إيلي ماروني ونديم الجميِّل) إضافة إلى النواب: سيرج طورسركيسيان، دوري شمعون، إيلي عون، بالإضافة إلى ‏جيلبيرت زوين ويوسف خليل، وهما يحملان حتى الآن صفة العضوية في تكتل التغيير والإصلاح‎! 


عند النجاح في تحقيق العدد المطلوب (10 نواب)، لم يعد ينقص سوى انتظار نشر القانون في الجريدة الرسمية، ‏الذي تأخر إلى الخميس الماضي‎. 


لا شك في أن التحالفات الانتخابية سمحت بعدم تكرار تجربة 2017، وعرف حزب الكتائب تماماً كيف يواجه ‏احتمال الضغوط، خاصة أن ما يجمع الموقعين على الطعن، من غير الكتائبيين، هو عدم انضمامهم إلى لوائح ‏السلطة في دوائرهم، واضطرارهم إما إلى خوض الانتخابات في لوائح أخرى، أو الانسحاب من السباق ‏الانتخابي‎.‎
‎ 
صار الطعن أمراً واقعاً، وقد تبين أنه لا يطاول المادة 49 من الموازنة (إعطاء الأجنبي الذي يتملك عقاراً في لبنان ‏حق الحصول على إقامة) فحسب، بل يطاول جوهرها أيضاً‎. 


المادة 49 كانت مادة جدال انتخابي في الأسبوع المنصرم بين النائب سامي الجميِّل ومؤيديه من جهة، والنائب ‏إبراهيم كنعان ومؤيديه من جهة أخرى. الجميِّل كان قد أعلن أن هذه المادة تعطي حق الإقامة الدائمة لمن يتملك ‏شقة، فيما أنكر كنعان ذلك، معتبراً أن المادة، في صيغتها الأولى، كانت تعطي حق الإقامة الدائمة، لكنها عُدِّلَت ‏لتصبح مؤقتة، بعد ربطها بملكية الشقق، داعياً إلى عدم استعمال هذه المادة التي لا علاقة لها بالتوطين بالمزايدات ‏الانتخابية. لكن مع نشر القانون في الجريدة الرسمية، حسم النقاش، وتبين أن حق الإقامة الدائمة محفوظ لكل من ‏يتملك شقة مدى الحياة، علماً أن هذه الإقامة لن يكون بالإمكان إلغاؤها في حال بيع الشقة بموجب وكالة أو ‏تأجيرها، أضف إلى أن الأجهزة المعنية لا قدرة لها على المراقبة‎. 
في السياق نفسه، كان قد صدر بيان عن رئاسة الجمهوية، يشير إلى أن الرئيس ميشال عون وجّه قبل ظهر أمس ‏رسالة إلى مجلس النواب بواسطة الرئيس نبيه بري، طالباً إعادة النظر في نص المادة 49 وبالشروط التي حددتها ‏المادة المذكورة لإعطاء الأجنبي حق الإقامة عند تملكه لوحدة سكنية. وقد أوضحت أوساط رئاسة الجمهورية أنه ‏على أثر الطعن، بادر عون إلى الاتصال ببري، وتوصلا إلى نتيجة أنه ما دام المجلس الدستوري وضع يده على ‏الطعن الذي يتناول بجانب منه المادة 49، ارتأى الرئيسان التريث في متابعة الموضوع، لأنه حسب القانون كان ‏سيدعو بري إلى جلسة لتلاوة رسالة الرئيس عون خلال ثلاثة أيام. وأشارت الأوساط إلى أنه بانتظار ما سيصدر ‏عن المجلس الدستوري "يبنى على الشيء مقتضاه‎". 


في الطعن المقدم من النواب العشرة، تعداد للمخالفات الدستورية التي تنطوي عليها الموازنة، وفي طليعتها غياب ‏قطع الحساب، الذي يشكل موجباً دستورياً، بحسب المادة 87 من الدستور، يجب أن يسبق إقرار الموازنة‎. 


في قانون موازنة 2018 لا إشارة إلى قطع الحساب. بل جرى تجاهله بنحو مطلق، بحجة أن قانون موازنة ‏‏2017، كان قد تضمن مادة (المادة 65) بقيت سارية المفعول حين إقرار موازنة 2018، وتنص على أنه "على ‏سبيل الاستثناء ولضرورات الانتظام المالي العام، ينشر هذا القانون، وعلى الحكومة إنجاز عملية الإنتاج لجميع ‏الحسابات المالية المدققة منذ عام 1993 وحتى عام 2015 ضمناً، خلال فترة لا تتعدى السنة، اعتباراً من تاريخ ‏نفاذ هذا القانون وإحالة مشاريع قوانين قطع الحساب عن السنوات التي لم تقر فيها إلى المجلس النيابي‎". 
لو حصل الطعن بموازنة 2017، لكان المجلس الدستوري قد أبطل الموازنة حكماً، فالمادة السابقة ليست سوى ‏تسوية سياسية مخالفة للدستور، بشهادة أكثرية النواب الذين صوتوا مع الموازنة‎. 


كذلك يتطرق الطعن إلى "فرسان الموازنة"، أي المواد التي يفترض أن لا تكون جزءاً من قانون الموازنة، ‏كالتعديلات على الضرائب وقوانين البرامج والمواد التي تتعارض مع سنوية الموازنة، وكذلك المادة 49، التي ‏يعتبر الطعن أنها مخالفة لمقدمة الدستور. كذلك يخالف قانون الموازنة مبدأ الوحدة والشمول، أضف إلى مخالفته ‏مبدأ فصل السلطات وتوازنها عبر منع مجلس النواب من ممارسة صلاحياته الرقابية والمالية‎.‎
‎ 
وقد شدد الجميِّل، بعد تقديم الطعن، أن الهدف منه هو وقف الخطأ الكبير الذي ارتكب بحق البلد من خلال المادة 49 ‏أولاً، وثانياً إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح على الصعيد المالي في لبنان ووقف التعدي على مالية الدولة‎. 
ولفت الجميّل الانتباه إلى أن المجلس الدستوري لديه الفرصة للنظر بموازنة عامة ووضع الأصول الصحيحة، ‏متمنياً أن "يلعب المجلس الدستوري دوره الكامل لمنع هذه الأساليب من الممارسة في المستقبل‎". 


وفيما علمت "الأخبار" أن رئيس المجلس الدستوري عصام سليمان كان خارج البلاد، إلا أنّ من المتوقع أن يعود ‏اليوم، فيدعو إلى جلسة يتوقع انعقادها غداً، لدرس ما إذا كان يقتضي تعليق مفعول النص موضوع المراجعة. ‏وبحسب قانون المجلس، فإن الرئيس يقوم بتبليغ نسخة عن المراجعـة إلى الأعضاء ويعين مقرراً من بينهم (يبقى ‏اسمه سرياً). بعد ذلك، يضع المقرر تقريره ويقدمه إلى المجلس خلال مهلة أقصاها 10 أيام من تاريخ إبلاغه قرار ‏تعيينه، على أن يدعو رئيس المجلس الأعضاء خلال خمسة أيام للتداول في جلسة تبقى مفتوحة إلى أن يصدر ‏القرار، في مهلة أقصاها 15 يوماً. ويفترض بهذه الآلية أن تنتهي خلال مهلة شهر من تاريخ تقديم الطلب، حيث ‏يتخذ القرار بأغلبية سبعة من عشرة أعضاء‎. 


لا نقاش في أن الموازنة مخالفة للدستور. كل الخبراء الدستوريين يقولون ذلك. فهل يتمكن المجلس من استغلال ‏الفرصة لتثبيت قواعد إعداد الموازنة وفق الأصول؟ ثمة رأيان: الأول، يتوقع أن يؤدي انتهاء ولاية أعضاء ‏المجلس، والتوجه إلى تعيين مجلس جديد بعد الانتخابات، إلى تحرير أعضائه من أي ثقل سياسي، تمهيداً لإصدار ‏قرار تاريخي. أما الثاني، فلا يستبعد استعادة سيناريو التمديد الأول للمجلس النيابي، بحيث يتغيب عدد من ‏الأعضاء ولا يلتئم المجلس الدستوري‎.‎

Toyota
Toyota