هل نحن ضحايا الاوليغارشية؟

 
آفــاق | المصدر :اينوما - 2020-08-21
افلاطون هو أول من استخدم مصطلح الأوليغارشية وهي تعني اليوم في مفهومنا المعاصر(حكم الأقلية) المتنفذة مالياً أو إقتصادياً أو عسكرياً أو إعلامياً أو حزبياً أو دينياً أو طائفياً أو عائلياً أو قبلياً أو القلة المدعومة من جهات أجنبية والتي تستمد قوتها من مجموع هذه العناصر أو بعض منها تحت غطاء ممارسة الديمقراطية.

وفي كتابه (الجمهورية) وضع أفلاطون ثلاث مستويات للدول: منها الدولة المثالية (وهي جمهورية أفلاطون الفاضلة) ، والدولة الديمقراطية ، والدولة الأوليغارشية التي وضعها في المستوى الثالث قبل دولة الاستبداد المطلق ثم توسع في كتابه (السياسة) بتصنيف الدول الى ستة مستويات ، ثلاثة منها تحترم القانون وتلتزم به ، وثلاثة لا تلتزم بقانون ولا تعترف بدستور، الا بما يحقق مصالح الطبقة الحاكمة والتي سماها (الأوليغارشية). أما أرسطو الذي جاء من بعده فقد وضع توصيف لنظام (حكم الأقلية)، وأشترط فيمن يحكم أن يكون ذو قدرة مالية كبيرة ، وإن طبيعة السلطة ونوع الحكم يتوقف على ما يملكه الحاكم أو الطبقة الحاكمة من الثروة والمال ، وأضاف كلما توسعت الملكية وكثرت الثروة ، كلما اتسعت السلطة الأوليغارشية ، وبهذا فإن أرسطو جعل منها صفة ملازمة لحكم الاثرياء.

 وفي عصرنا الحديث أصبحت الأوليغارشية لا تقتصر على حكم الأثرياء فقط ، وإنما شملت صفات اخرى تجتمع حولها الأقلية ، أو تلتقي في اطارها لتصنع الزعيم أو المجموعة الحاكمة في بلد ما والتي تنتهي دائما ببروز ظاهرة الاستئثار بالسلطة والهيمنة على القرار ، وان كانت في اطار ممارسة الديمقراطية بشكل أو بآخر وهذا موجود في نظام بعض الدول الغربية.عند تطبيق هذا المفهوم على واقع أنظمة الحكم في بعض الدول سواء العربية منها أو حتى الغربية نجدها في الغالب تمثل نموذجاً مثاليا من أنواع حكم الطبقة الأوليغارشية، حيث تتركز السلطة بيد فئة مستقوية بالمؤسسات الدينية والطوائف والسياسة والثروة وبدعم قطيع من المرتزقة ، مما يفسر تدوير ذات الوجوه في السلطة رغم الادعاء بالممارسة الديمقراطية! إضافة إلى أن كثيرًا من المفكرين في العصر الحديث أستخدموا مصطلح الأوليغارشية للإشارة إلى الدول التي فقد حكامها الحاضنة الشعبية، لكنهم يتمتعون بدعم كلي من دول أجنبية تُمكنهم من السلطة.

 وقد أعتبر بعض المفكرين بأن هذا المصطلح قد يكون حكرًاعلى مجموعة قليلة من ذوي رؤوس المال التي تدير دولة بكاملها وتتحكم فيها وفي مصائر أبنائها ، وقد تشكل ثقافة تمتد لتشمل الأحزاب والطوائف والعرقيات والاثنيات والمذاهب والأديان والقوميات. وانطلاقا من هذا التوصيف ، فإن الثقافة الأوليغارشية هي ثقافة فوقية ، تقوم على تنحية الهويات الجوهرية لمجموعات وفئات كبيرة من الناس ، وإعلاء هويات أخرى بديلة للقيام بوظيفة واحدة ، تتمثل في خدمة الفئة الأوليغارشية الصغيرة ومشاريعها.

وقد يختلط مفهوم الدولة الأوليغارشية مع مفهوم الدولة الأرستقراطية في بعض الأحيان ، إلا أن الأخيرة تعني حكم الأفضل أو حكم النخبة ، أي أن الحكومة الأرستقراطية هي الحكومة التي تتشكل من خيرة الناس في المجتمع ، وهم الذين يحكمون المجتمع بدعوى أنهم أفضل من يصلح للحكم والقيادة.

وما يهمني حقيقة في هذا المقال ليس التعريف فقط بمفهوم الاوليغارشية كمصطلح وانما تسليط الضوء على طبيعة الحكم في بعض الدول الغربية وليس فقط الدول العربية وأستعراض طبيعة الحكم فيها سواء كان مركزياً أو ديمقراطياً حقيقياً أو اوليغارشياً بمعنى الاستئثار بالسلطة وبممارسة تبدو ديمقراطية ولكنها مرسومة وموجهة في أغلب الأحيان ولربما هناك من يصفها بالمزيّفة أو حتى تزويرها إن إقتضى الامر لضمان فوز من وقع عليه الاختيار من قبل (القلة) وهذا ليس حكراً على الدول العربية كما يعتقد البعض.

 

 كما انني على ثقة بل مؤمنة تماماً بأن العالم المعاصر لايستوعب نظاماً مثالياً للحكم كما نظر له أفلاطون في جمهوريته تلك الجمهورية الفاضلة التي لا وجود لها على هذه الأرض ، أو نظاماً ديمقراطياً حقيقياً يحقق العدل والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والانصاف ومتطلبات الحياة الحرة الكريمة لجميع مواطنيه على السواء دون تمييز، لأن مقياس النجاح والفشل لأي نظام حكم في نهاية الأمر هو في ما يستطيع تأمينه لمواطنيه من كرامة وأمن وسيادة وخدمات دون اي استثناء.