بين التطرف والاندماج

 
آفــاق | المصدر :اينوما - 2020-10-28
تعرف ثقافةَ الشعوب بأنّها مجموعُ العادات والتقاليد والمبادئ والمعارف والقوانين والفنون التي يكتسبها الفردُ في مجتمعه. وتطوّرهذا التعريفَ في القرن العشرين، فأصبحت الثقافة هي جميعُ السمات الروحيّة والمادّيّة والفكريّة والعاطفيّة التي تميِّز مجتمعًا بعينه أو فئةً اجتماعيّةً بعينها، وتجعل منه كائنًا يتميّز بالعقلانيّة والقدرةِ على النقد والالتزامِ الأخلاقيّ. والثقافة تنتقل من جيلٍ إلى آخر عن طريق اللغة والرموز والإشارات وأدواتٍ مادّيّةٍ أخرى، وعن طريق التفاعل مع الآخر. وهي تعني أيضًا تطور الفرد وبنائه لشخصيته نتاجٌ لتعلّمه عن طريق هذا التفاعل الاجتماعيّ.
استنادًا إلى هذه التعريفات، يمكن القول إنّ ثقافة الفرد هي نتاجٌ لموروثٍ اجتماعيّ ينتقل من جيلٍ إلى آخر، شأنَ العادات والتقاليد واللغة والتاريخ والقيم. وهي أيضًا نتاجٌ لعلاقة الفرد الطبيعيّة بالمجتمع الذي يعيش فيه، ولتفاعله مع الأدوات الثقافيّة التي تميّزهذا المجتمعَ وتساعدُه على تطوير معارفه ومهاراته وسلوكيّاته وسماته الشخصيّة.
ومما لا شك فيه فان الهجرة واللجوء تطرحان مشكلة الانصهار والانكفاء لدى الأفراد،حيث يعيش هؤلاء حالة صراع تتمحور حول الهويّة واللغة والثقافة والوطن الأمّ والوطن البديل. ويترافق هذا مع تعديل الغرب في السنوات الأخيرة لسياساته الخاصّة بإدارة التعدّديّة الثقافيّة واللغويّة، ليفرضَ ثقافةَ مجتمعه ولغتَه على الأقلّيّات المهاجرة؛ ولئن دأبتْ فرنسا على هذا منذ زمن، فثمّة اليوم تغييراتٌ جذريّةٌ في سياسات هولندا وسويسرا وبريطانيا وغيرها لصالح "صهر" المهاجرين في المجتمعات المضيفة، ولا سيّما مع تصاعد موجة "التطرف" والارهاب التي يشهدها الغرب.
لكنْ قبل الحديث عن الصراع على الثقافة والهويّة التي يعيشها المهاجر، فلننتبه إلى بعض الأحاديث المتداولة بين أفرادٍ عربٍ داخل البلاد العربيّة. ليس مغالاةً القولُ إنّ أكثر من نصف هؤلاء يتحدّثون لغةً غير لغتهم، ومعظمُهم وبخاصةٍ المراهقين لا يجيدون العربيّة. أمّا مدى معرفتهم باللغة البديلة (كالإنكليزيّة أو الفرنسية)، فهذا موضوعٌ آخر يتعلّق بما سنسمّيه "الأحاديّة اللغويّة الناقصة" لكون كثيرين منهم يختصرون اللغة البديلة بما ينطقون به فقط ويجهلون عمقَها وبعدَها الثقافيّيْن.
تتمحور علاقة المُهاجر بالمجتمع البديل حول ثلاثة نقاط: الاندماج والانصهار والانكفاء.
وأما الاندماج فهو الحالة المُثلى. لأنه يعني تفاعلُ الفرد مع المجتمع البديل بشكلٍ إيجابيّ، بمعنى التعرّف إلى مكوّناته الاجتماعيّة، والتكيّفِ معها، وتقديرِها؛ إضافةً إلى المحافظة على ثقافته ولغته. والاندماج يؤدّي حتمًا إلى ثنائيّةٍ لغويّةٍ إيجابيّة، وإلى الانفتاح على الثقافات الأخرى واكتسابها؛ كما يساهم في التفاعل الإيجابيّ مع العولمة الاقتصاديّة والعلميّة والفكريّة، بما يفيد المجتمعَ البديلَ والمجتمعَ الأمّ معًا. ويترافق الاندماجُ مع حالةٍ من التوازن والتقبّل الذاتيّ، إذ لا اندماجَ من دون حصانةٍ ثقافيّةٍ ولغويّةٍ تدفع المرءَ إلى الاعتزاز بموروثه الثقافيّ واللغويّ.
أمّا الانصهار فيعني انسلاخَ الفرد عن ثقافته ولغته الأمّ، واكتسابَه المكوّناتِ الاجتماعيّة والثقافيّة واللغويّة الخاصّةَ بالمجتمع البديل. وهو ينجم عن تخبط وضياع الفرد في تقدير هوّيته الذاتية والوطنيّة والقوميّة ومجملِ موروثه الحضاريّ واللغويّ.
وأمّا الانكفاء فهو عكسُ الانصهار. إنّه رفضُ التكيّفِ والاندماجِ، ورفضُ التعرّف إلى المجتمع الجديد وتقبّلِه، نتيجةً في الغالب لتعصّب الفرد لثقافته تعصبًا مطلقًا. ويُقابَل هذا الانكفاءُ بانكفاءٍ وسلبيّةٍ من الآخر وقد يؤدي في كثير من الأحيان الى التطرف.
ويمكننا القولُ إنّ الاندماج في المجتمع يأتي من علاقةٍ تكاملية، إذ لا يحتلّ الفردُ الذي ينتمي إلى الأقليّة مستوًى متدنّيًا تجاه الآخر الذي يأتي من ثقافة الأكثريّة، بل يشعر نفسَه في توازنٍ معه من حيث الموروثُ الثقافيّ والحقوقُ والواجباتُ والمواطنة. وهذا يتطلّب من الطرفين تقديرَ الذات، بكل ما تمثّله من لغةٍ وتاريخ، وتقديرَ الآخر بكلّ خلفيّاته.
أمّا الانصهار فيَنتج من علاقةٍ مكمّلةٍ يحتلّ فيها المهاجرُ مستوى الخضوع للثقافة البديلة المتسلّطة بسبب إحساسه بدونيّته تجاه الآخر إلى حدّ تماهيه معه، كأنْ يتباهى بتحدّثِه بلغة هذا الآخر من دون أن يجيد لغته ذاتها. وتكون هذه العلاقة ثابتةً إذا لم يعمل أحدُ الطرفين على تغييرها.
وأمّا الانكفاء فقد يأتي من صراع دائم مع الثقافة الأخرى على احتلال المستوى الأعلى في العلاقة التماثليّة لأنّ كلًّا منهما يرى نفسَه جديرًا به دون الآخر؛ أو قد يأتي من احتلال المُهاجِر وثقافته  للمستوى المتدنّي في العلاقة بفرضٍ قسريٍّ من عالم الآخر.
فبين الاندماج والانصهار والانكفاء، تُبنى حضاراتٌ أو تُفنى ثقافات. إنّه سؤالٌ حول تموضع الفرد بالنسبة إلى ثقافته وثقافةِ الآخر. وكثير من العرب، في الداخل أو الخارج، عن وعيٍ أو من دونه، يعملون على تغييب ملامح ثقافتهم. واكتسابُ بعضهم للثقافة الأخرى فمن لا يملك حصانةً فكريّةً، لا يمكنه الغوصُ في البعد التاريخيّ والحضاريّ للثقافة الغربيّة، ويبقى دائمًا على مفترق طريقٍ بين ثقافتين.
إنّ الثقافة، كما أسلفت في البداية، تنتقل من جيلٍ إلى آخر. والخشية هي أن يرث الجيلُ الجديدُعن الطبقة النخبويّة فشلَها وتبعيّتَها ، وأن يرثَ شعاراتِها الزائفة حول الثقافة والهويّة والدولة الوطنيّة. والخشية أيضًا أن يصبح هذا الجيلُ غريبًا داخل وطنه الأمّ، كما هو غريبٌ خارجه.
وكمثال على ذلك استعرض النمودج الالماني نظراً لارتفاع عدد العرب والمسلمين في السنوات الأخيرة في ألمانيا حيث تشير المعطيات إلى أن قسما كبيرا من السكان الألمان سيكون لديهم خلفية "أجنبية" في المستقبل المنظور. ولمساعدة المهاجرين على التأقلم في المجتمع الألماني تقوم الجهات المعنية وتحديداً في فرانكفورت بتقديم النصائح للطلاب في المدارس على أنهم لا يحاولون اقتلاع الناس من جذورهم بل إدراك أنهم يعيشون في مجتمع متعدد الثقافات. كما أنه في كل عام يقام معرض للتعريف بالثقافات الأخرى بهدف التقليل من الحوادث. إضافة إلى وجود مركز ثقافي مختص يعمل مع الباحثين لإعطاء معلومات عن الأقليات الدينية الموجودة. غير أن أهم الخطوات التي يجب إتباعها لضمان اندماج المهاجرين في ألمانيا كما يقول الدكتور شنايدر هي اعتبار تعلم اللغة الألمانية إلزامياً إضافة إلى معرفة القوانين والثقافة والقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.