سوريا رهن التعاون الأميركي التركي والمصالح المتضاربة

 
مقالاتنا | المصدر :اينوما - 2020-11-22
تضاربت الأولويات في الوضع السوري وخاصة في موضوع الحرب الضروس المندلعة منذ قرابة التسع سنوات مما أدى الى توتر في العلاقات الأميركية التركية منذ عام 2014، والى اعادة تشكيل تركيا لسياستها الخارجية وهيكلة تحالفاتها الاستراتيجية.

هذا التغيير المستجد في سياسة أنقرة والذي نتج عنه هوية جيوسياسية مستجدة، فضلا عن وضعها في حلف الناتو، أصبح موضع تساؤل لسببين أساسيين الأول تحالفها الناشئ مع ايران وروسيا والثاني سماحها للمسلحين المتطرفين باستعمال الحدود التركية للعبور منها الى سوريا. ويعتقد المراقبون الدوليون أن الأزمة الحاصلة في شمال سوريا تتطلب تعاونا وثيقا بين أنقرة وواشنطن، لأن غياب التعاون هذا سوف يؤدي حتما الى عودة نظام الأسد والخلايا النائمة لتنظيم داعش. أضف الى أن موارد المنطقة النفطية والزراعية ستبقى رهينة القوات المتحالفة مع النظام والميليشيات المدعومة من ايران وروسيا. ومن غير المستبعد أيضا أن يتسع الصدع الكردي الذي أدى الى انعدام الثقة بين المجموعات العرقية المختلفة التي تعتبر هذه المنطقة موطنا لها.

بالنسبة لأنقرة وواشنطن تمحورت الحرب السورية حول تغيير النظام والاطاحة بالأسد في بداية الصراع المسلح، الا أن أنقرة أعادت تقييم موقفها وانصرفت الى التركيز على تأمين حدودها في مواجهة الفصائل الكردية التي تعتبرها منظمات ارهابية. ومثلها على المقلب الآخر، ركزت الولايات المتحدة منذ بداية الصراع على مكافحة الارهاب.

بالنظر الى السيناريو الحالي قد تتمكن الولايات المتحدة وتركيا من الاستفادة من هذه الأرضية المشتركة للعمل سويا مع الحلفاء والوسطاء المحليين لتحقيق أهدافهما. ولكن انعدام ثقة الطرفين بحلفائهما قد يؤدي على الأرجح الى ازدياد التوترات في العلاقات الثنائية. 

على الرغم من القضايا الشائكة بين البيت الأبيض وأنقرة والتي أعاقت تعاونهما في سوريا، يبدو أن العلاقة عادت فتحسنت في العام المنصرم، وهذا ما تجلى في الاتفاق على وقف اطلاق النار في تشرين الأول الماضي، وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من "المنطقة الآمنة" التي أنشأها الجيش التركي.

ولكن، حصلت انتكاسة في تحسن العلاقة الثنائية بعد موقف الولايات المتحدة الداعم للهجوم الذي شنته قوات الأسد على القوات التركية في ادلب في شباط الماضي. عادت بعدها واشنطن لتعتبر أن لتركيا الحق في الدفاع عن نفسها وأنها ستزود أنقرة بالأسلحة اللازمة لاستخدامها خلال عملياتها العسكرية في ادلب. كما تدرس الولايات المتحدة طلب أنقرة نشر صواريخ باتريوت على الحدود التركية. بالتالي، وبالرغم من مواقف الرئيس التركي أردوغان المتعلقة بسياسة أنقرة الخارجية والتي أثارت غيظ واشنطن أحيانا، فان وضع تركيا كشريك تجاري مهم وحليف في الناتو يمكن أن يساعد في تسهيل التعاون والتنسيق في سوريا.

من جهة اخرى سعى أردوغان الى الحد من التوترات الحاصلة بين واشنطن وأنقرة من خلال تأخير تنفيذ نظام الدفاع الجوي الصاروخي الروسي S-400 الذي اشترته العام الماضي، ومن خلال الطلب الى روسيا عدم المشاركة في عمليات أخرى. اظهار حسن النية التركي تجلى أيضا في رسالة كتبها أردوغان الى نظيره الأميركي مصحوبة بمساعدات طبية لمواجهة .Covid-19 في الرسالة وصف أردوغان تركيا بأنها "شريك موثوق وقوي للولايات المتحدة". كما أكدت الرسالة على أن " التطورات الأخيرة في المنطقة أظهرت أهمية استمرار التحالف الأميركي التركي والتعاون الى أقصى حد ممكن".

ردا على رسالة الرئيس التركي اعتبر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أنه " يجب على أعضاء حلف الناتو أن يتعاونوا معا في زمن الأزمات". 

قد يكون هذا التعاون هو المطلوب الأهم في سوريا. من خلاله يعترف الطرفان بالواقع الجيوسياسي للبلاد، اذ أصبحت خريطة النفوذ في شمال سوريا متباينة بشكل متزايد، مع تناقص المناطق المتداخلة بين القوى المتنافسة. ويعود السبب جزئيا الى أن المعارضة العسكرية السورية لم تعد جزءا من المعادلة السياسية أو العسكرية في شمال البلاد بحيث انضوت معظم فصائلها تدريجيا تحت راية احدى القوتين الرئيسيتين الموجودتين في شمال سوريا، اما من خلال التحالف مع تركيا (عملية غصن الزيتون، درع الفرات ونبع السلام ) أو من خلال التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية من خلال الفصائل المدرجة في قوات سوريا الديمقراطية. أضف الى ذلك مجموعة متنوعة من الميليشيات المنضوية تحت سيطرة الروس والايرانيين في مناطق شرق نهر الفرات رغم تراجعها في شمال سوريا حاليا.

مع ذلك، سعت الميليشيات المدعومة من ايران الى توسيع نفوذها من خلال بناء الحسينيات والأضرحة لنشر نسخة اسلام شيعي تدين بولائها لايران في تلك المناطق. أضف الى ذلك التواجد الروسي الى جانب القوات التركية للاشراف على تنفيذ الاتفاقيات المعقودة بين الطرفين في شمال سوريا. كما بذلت روسيا جهودا لتأسيس وجود عسكري أقوى حول كوباني (عين العرب) بما في ذلك قاعدة اللواء 93 ( حزيمة ومطار القامشلي(.

بالنظر الى هذا الستاتيكو القائم حاليا فان الصراع الجيوسياسي في سوريا منقسم بالفعل بين طرفين. الأول يتطلع الى محاولة اعادة تفعيل نظام الأسد، بينما يعتقد الطرف الثاني أنه لا يمكن التعويل عليها الى جانب هشاشة المعارضة وعدم قدرتها على انتاج بنى سياسية وعسكرية. يتمركز هذا الطرف الأخير بشكل أساسي في شمال سوريا ويحاول السيطرة على شرقها لربط المناطق التي يسيطر عليها حاليا (التنف وغرب الفرات)، بحيث يتمكن من قطع الطريق على الامدادات الايرانية.

في غضون ذلك، يسعى الجانب الموالي لنظام الأسد الى توسيع الصلات بين مناطق نفوذ في بقية سوريا واخراج قوات المعارضة منها، وتأمين طريق بري يربط بيروت ودمشق بطهران عبر العراق.

نظرا الى المصالح المتعددة خارج سوريا والتي تربط الولايات المتحدة بتركيا، وبهدف ابعاد المخاطر التي قد تعيق سعيهما نحو هدف مشترك في سوريا بشكل منفصل، يعتبر المراقبون  أنه ينبغي على أنقرة وواشنطن ايجاد سبل جديدة للتعاون في ادارة المناطق الواقعة تحت سيطرتهما والتي تشكل أكثر من 30% من اجمالي مساحة سوريا. يمكن تحقيق ذلك من خلال تطوير نقاط تنسيق مشتركة في شمال سوريا تحت اشراف الامم المتحدة الانساني. في هذا السياق أيضا، يجب على المجموعات السعودية والاماراتية والقطرية والاوروبية أن تعيد النظر في قرارها وقف المساعدات الانسانية، فبالرغم من القيود المفروضة على المساعدات في سوريا فان الدعم المادي للشعب السوري يشكل حاجة حيوية كي يتمكن المتواجدون في هذه المنطقة من عيش حياة كريمة. أضف الى أن تشكيل اللجان المحلية وانشاء كيانات ادارية وأمنية مهنية مسؤولة عن حماية المواطنين، وضمان العودة الآمنة للنازحين الى ديارهم ووظائفهم، عناصر مهمة لضمان دعم هذه المشاريع الانمائية. ويعتقد بعض المراقبين بأن الاجراءات الاضافية التي يمكن للولايات المتحدة الاميركية وتركيا اتخاذها للمساعدة في تعزيز الاستقرار تتضمن وضع حد لتواجد القوتين الروسية والايرانية في محافظتي دير الزور والرقة والتعهد بوقف تهريب النفط والمنتجات الزراعية من أي جانب، لأن ضبط السيطرة على المنتجات النفطية والزراعية (وهي مصادر التمويل الرئيسية للجماعات الارهابية في سوريا) سيحد من تحرك لا بل دحر المجموعات الارهابية من تلك المناطق. ومثله، يمكن للتنسيق بين وكالات الأمم المتحدة وتركيا والولايات المتحدة أن يساهم الى حد بعيد في تقديم خدمات التعليم والصحة والغذاء.

ويبقى من مصلحة كل من الولايات المتحدة وتركيا العمل معا في سبيل تحقيق استقرار دائم في المنطقة تبدأ خطواته الأولى في الابتعاد عن أوهام بعض العناصر الانفصالية الذين يبالغون في نطاق الدولة الاسلامية والمتهمون بممارسات تمييزية أدت الى زعزعة التحالفات الدولية. كما يمكن للولايات المتحدة وتركيا معا وضع حد لنظام الأسد ومنع عودة داعش الى المنطقة.

في النهاية، أظهر الواقع أن الاستقرار في شمال سوريا لا يتم الا من خلال تضامن المجموعات معا وليس من خلال تفرد كل منها في العمل.

ويبقى السؤال: ما هي النتائج الضمنية الحقيقية لهذا التعاون الاميركي التركي في الأزمة السورية؟!