عندما يشهد ديب بدقّة أبي خليل!

 
مقالاتنا | 2020-11-30
هكذا هم وزراء "طاقة الإصلاح" دائماً عند الحشرة، يتجنبون الرد المباشر ومناظرة أصحاب الرأي المخالف ويحشدون المناصرين والمؤيدين لشغل الشاشات والدفاع عن ارتكاباتهم على قاعدة عنزة ولو طارت. وقد أطل النائب #حكمت ديب بالأمس ليدلي بدلوه علّه ينصر أخاً له على المدير العام للمناقصات وما ورد في مؤتمر صحافي عقده رداً على اتهام صريح له بالتزوير ورد على لسان وزير الطاقة سابقا سيزار أبي خليل، لينصره ويرافع عن قضيته، فيطالعنا بوجهة نظر غريبة عن القواعد القانونية المعروفة، المفترض أن تحكم استدراج العروض "لاستقدام معامل توليد الكهرباء العائمة". فما هي حقيقة الإطار القانوني الذي يقع ضمنه تلزيم استقدام معامل توليد الكهرباء العائمة، والمعروف بمشروع البواخر؟.

 

بداية لا بد من التذكير بأنه بسبب الفشل في تنفيذ خطة الكهرباء المنبثقة من ورقة سياسة قطاع الكهرباء، والمفترض أنها جاءت لإنقاذ صيف 2010، لجأت وزارة الطاقة مجدداً إلى مجلس الوزراء لتحصل على موافقة استثنائية على خطة إنقاذية لصيف 2017، فصدر القرار رقم 1 تاريخ 28/3/2017، القاضي "بتكليف وزير الطاقة اتخاذ الإجراءات اللازمة واستدراج العروض وإعداد المناقصات اللازمة وعرض كافة مراحلها على مجلس الوزراء وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء".

على رغم فوضى الصياغة المربكة والخلط فيها ما بين "استدراج العروض" و"إعداد المناقصات"، فقد أبقى مجلس الوزراء تكليف الوزير واقعاً تحت سقف القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وتاليا فإن الحكم على تصرفات هذا الوزير، في إطار تنفيذ القرار، لا يمكن أن يستند إلى غير ما هو منصوص عليه في القوانين والأنظمة المعروفة والنافذة، أكانت المحاسبة العمومية ونظام المناقصات، أو قانون إنشاء مؤسسة كهرباء لبنان ونظام استثمارها. 

 

أما القانون 462 والهيئة الناظمة المنصوص عليها فيه، والذي انطلق منه النائب ديب في مرافعته، فلا صلة له أصلاً بـ"تلزيم استقدام معامل توليد الكهرباء العائمة" لأن صلاحية هذه الهيئة تقف عند حدود إعطاء تراخيص وأذونات الإنتاج، من دون إجراء المناقصات إذا كان ثمة حاجة لإجرائها، فيما موضوع عقد معامل توليد الكهرباء العائمة هو "عقد تحويل طاقة"، بمعنى تحويل الفيول إلى طاقة كهربائية، كما هو حال تحويل القمح إلى طحين، ليس إلا. وهو ليس عقد إنتاح بأي شكل من الأشكال. هذا مع العلم أن "استقدام البواخر" هو من الناحية القانونية بدعة تخالف المادة 4 من قانون إنشاء مؤسسة كهرباء لبنان، التي تمنع، بعد صدور هذا القانون، منح أي كان، أي امتياز أو رخصة أو إذن لإنتاج، إلا بموجب قانون. وكذلك هي تخالف نظام استثمار المؤسسة، الذي لم يجز لها توزيع الطاقة من غير معامل الإنتاج التي تملكها أو معمل صاحب امتياز.

 

وبالتالي فإن هذه البدعة تبقى في وضع "المخالفة" للقانون، على رغم تعدد واختلاف التسميات المتحركة التي أطلقت عليها لتمويه حقيقتها، فراوحت ما بين "استجرار الطاقة من البواخر"، و"عقد أشغال تحويل طاقة"، و"استئجار البواخر للطاقة" و"للتزود بمصادر للطاقة من خلال وحدات إنتاج عائمة"، و"استمداد الطاقة من معامل توليد كهرباء عائمة"، و"استقدام معامل توليد الكهرباء العائمة"، و"استقدام معامل توليد الكهرباء وفق إطار أعمال تحويل الطاقة"، و"العقد مع الشركة مالكة ومشغلة الباخرتين". وهي لم تنجح في تغطية تعارضها مع "القوانين والأنظمة المرعية" التي نص عليها قرار مجلس الوزراء رقم 1 تاريخ 28/3/2017.

وكذلك لم ينجح النائب ديب في محاولته "خلط عباس" الهيئة الناظمة" والقانون 288/2014 وبعده القانون 54/2015، بـ"دباس" الوزير أبي خليل، "الأدق" بينهم في تطبيق القوانين، والذي أطلق المناقصة من مكتبه ثم نقلها إلى مبنى كهرباء لبنان لستر الفضيحة، وعاد بها أخيراً إلى طاولة مجلس الوزراء خالي الوفاض، حيث لم يجد بداً من الأخذ بملاحظات إدارة المناقصات "القانونية والدقيقة" بعد انكشاف محاولته تمرير القرار بصيغة "تكليف لجنة وزارية أو إدارة المناقصات فض العروض المالية"، بدلاً من "إحالة كامل الملف إلى إدارة المناقصات لفض العروض المالية وإعداد تقرير كامل عن استدراج العروض المتعلقة باستقدام معامل الكهرباء العائمة"، بحيث كان فض "العرض المالي الوحيد" ليسهل على الوزير "الأنظف والأدق في تطبيق القانون بحذافيره"، لو أنه نجح في تمرير خياره تكليف لجنة وزارية فض العروض المالية. واستطراداً، نذكّر النائب ديب الذي اقتصر على ذكر القانونين 288/2014 و54/2015، بأن هذين القانونين ناطا بمجلس الوزراء إعطاء تراخيص إنتاج الطاقة، وليس إبرام "عقود أشغال تحويل طاقة" بواسطة البواخر. ونذكّره أيضا بالقانون رقم 129/2019، المتعلق بمحاولة استثناء تلزيم بناء معامل الإنتاج بالشراكة مع القطاع الخاص من بعض الشروط المشمولة بأحكام قانون المحاسبة العمومية وغيره من النصوص ذات الصلة بأصول المناقصات، والتي أبطلها المجلس الدستوري لمخالفتها الدستور. وكذلك نذكّره بأن تطبيق القانون 54/2015 أدى إلى تلزيم إنتاج الطاقة من الرياح التي أجريت خلال عهد الوزير أبي خليل وأطلقها من "جمعية المركز اللبناني لحفظ الطاقة" من دون أن تكون لهذه الأخيرة أي صفة أو صلاحية قانونية في إجراء المناقصات.

 

أما وقد انتهت مرافعة سعادة النائب عن رفيقه الوزير ليقول للأستاذ جان العلية وغيره، "أنت علقت مع أنظف شخص وأدقّ شخص" في تطبيق الدستور والقانون، فقد استغربتُ هذه الثقة ووجدتُ من المناسب التذكير بنموذج عن دقة الوزير أبي خليل في هذا المجال وبدفاعه، وهو نائب، عن قانون كهرباء زحلة، رقم 107/2018، المبني على خداع في التعبير مثل "الضرورات التي تفرض الإبقاء على الحالة القائمة" و"الاستفادة من الإمكانية المتاحة"، بحيث يتبين من بناءاته وصياغته تعمّد الإيحاء بأن "المولدات مستأجرة من الامتياز"، فيما هي ليست كذلك، وإنما لتبرير ربطها بامتياز التوزيع، وأنه انطوى على تبرير ضمني لمخالفة قوانين أخرى ولمبدأ المساواة في الحقوق والفرص بين المواطنين والأفراد اللبنانيين المنصوص عليه في الدستور. وفيما يهدف القانون إلى تشريع حالة واحدة ولشركة بعينها وبالإسم ومنحها الحق باستثمار مولداتها الخاصة، فقد بدا وكأنه "أوجب" عليها أن تؤمّن التيار الكهربائي للمشتركين والفرق طبعاً كبير. 

 

وكذلك أذكّر بإشادة معاليه بإنجاز القانون العظيم، بحضور النائب ديب، حيث رأى فيه عبوراً إلى زمن الدولة وتشريعاتها الحديثة وشراكتها مع القطاع الخاص الناجح والمنتج. وها نحن اليوم أمام فشل ذريع في تطبيق العقد المنبثق من القانون بعد تعذر تطبيق بنود التحاسب والجرد وتدقيق حسابات الامتياز وفصل مقطوعية المشتركين برعاية صاحب المعالي والسعادة. وها هم أنفسهم يبحثون اليوم عن فكرة سحر جديدة يخدعون بها السلطة التشريعية والرأي العام بقانونية تمديد الممدّد. ونذكر أخيراً بأن الوزير نفسه سبق له أن وجّه الى الشركة كتاباً أكد فيه مضمون كل كتبه السابقة، لا سيما الكتاب رقم 464/1ص تاريخ 27/3/2017، ليبلغها بموجبه باعتبار نشاط مولداتها الخاصة مخالفاً لأحكام دفتر الشروط وللقوانين المرعية الاجراء. ولمزيد من الأمثلة حول دقة الوزير أبي خليل أسأله: أين نتائج مفاوضات دير عمار، التي سعى للحصول على تفويض من مجلس الوزراء بإجرائها وباشرها خلال أيار 2018، وعن مصير تلزيم تأهيل خزانات المنشآت لروسنفت، التي قيل انها توارت بعد قبض عشرات ملايين الدولارات، وكان يفترض انجاز المشروع خلال حزيران 2020، وأين تلزيم الطاقة من الرياح، ومناقصة الطاقة الشمسية ومناقصة محطات التغويز؟.

 

بناءً عليه، تكون مرافعة النائب حكمت ديب عن الوزير سيزار أبي خليل وادعاؤه الدقة في تطبيق الدستور والقانون واقعة في غير موقعها، دون جدوى، وغير مستقيمة وساقطة قانوناً، كما سقطت محاولات تمرير مناقصة الـ "850 ميغا من البواخر"، وانتهت إلى حفظ دفتر شروطها في أدراج معاليه بنتيجة ثبات إدارة المناقصات على موقفها القانوني المتين، بحيث انتهى قرار مجلس الوزراء رقم 60، تاريخ 17/8/2017، إلى إلغاء استدراج العروض المتعلقة باستقدام معامل توليد الكهرباء العائمة بسبب وجود عارض واحد وعدم فض العرض المالي وإعادته إلى الشركة التي سبق لها أن تقدمت به. 

أما وقد تحولت خطة الكهرباء إلى مسمار التيار في وزارة الطاقة، أنصح بالحذر من "سحرة الكلام" وخداعهم، فلا تأنسوا لهم لأن السحر من أعمال الشياطين!