هل النخب الناشطة قادرة على صنع القرار السياسي؟

 
آفــاق | المصدر :اينوما - 2021-03-15
الدكتورة ميرنا داوود تكتب عن النخب الناشطة وقدرتها على صنع القرار السياسي وتأثيرها في مجتمعاتها.

«لا يوجد مجتمع فاضل اومجتمع سيء، وإنما هناك نخبة جيّدة وهناك اخرى فاسدة".

 منذ منتصف القرن العشرين عمل رواد نظرية النخبة السياسية وأغلبهم من عُلماء الاجتماع الإيطاليين على توضيح  مفهوم  النُخبة  في مواجهة مفهوم الطبقة حيث اقتبس عالم الاجتماع الإيطالي " باريتو " مفهوم النخب Elite من مجال التجارة ليُدخله إلى عالم الدراسات الاجتماعية لانه كان يريد أن يوضح أن المجتمع لا يتأسس على سيطرة الحياة المادية وحدها كما لا تتأسس القوة فيه على النواحي الاقتصادية فقط وأنتهي باريتو إلى تعريف النُخبة بأنها تتكون من اؤلئك الذين يتفوقون في تحدي الحياة وإذا أردنا ان  نتجه الى مجتمعاتنا الشرقية فإننا  نجد في كلّ مجتمع عربي  طبقة صُنّاع القرار والرأي وهي الطبقة التي لا تحمل من التحصيل العلمي ما تحمله طبقة المثقفين الا أنها تملك القدرة على صنع القرار السياسي وفرض الرأي ثم طبقة المثقفين التي على العكس من الأولى ، تملك تحصيلاً علمياً وثقافياً واسعاً وأرضية  كبيرة ولكنها تفتقد القدرة على تحويل نظرياتها الى قرار سياسي نافذ الى المجتمع بكلّ طبقاته وشرائحه اما الطبقة الثالثة فهي طبقة العامة أو الجمهور.في ظلّ الحروب  والنزاعات ، يصبح التركيزالأكبر على النخبة المثقفة في حلّ الأزمات والخروج من المآزق لأنّ حاجة صُناع القرار إلى دعم ومؤازرة  النخبة تتضاعف وقت الحروب والازمات ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ الهمّ الاقتصادي الذي تعاني منه طبقة العامة يجعلها في سعي مستمر لإيجاد  طوَّق نجاة  تتمسك به وهذا الطوق عادة تحمله النُخب وتوجهه. ان نظرية روبرت داهل التي ظهرت  في الستينيات من القرن الماضي في كتابه "من يحكم امريكا" توضّح من خلال دراسة موسّعة على مدى سنوات ، طبيعة  حياة المؤسسات السياسية الأمريكية وكيف تُدار الأمور ومن هم صُناع القرار ،  وقد استخدم روبرت داهل مفهوم "النُخب الناشطة" للدلالة على مصادر القوة في قطاعات المجتمع الامريكي ( في الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع المدني) فالجماعات التي تحمل لواء الثقافة وتدافع عنها وتلك التي تقود المراكز الثقافية الحاكمة وكذلك الجماعات الرائدة في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن البيئة أو التي تحقق وظائف معينة في مجال الإعلام أو التعليم ، كل هؤلاء يمثلون جماعات تتضافر جهودها مع جهود النخب الاقتصادية والسياسية من أجل إحلال منظومة رائدة ضمن المجتمع الواحد بمرافقه المختلفة وبهذا وضع منظرو النخبة الأوائل حجر الأساس لفهم معنى النخبة مُتفقين على إنها تمثل "عقل المجتمع" وفكره المُدبّر وهي التي إما ان تُوقفه عن التجديد وتميل به إلى المحافظة أو تنطلق به إلى التجديد بلا حدود.

 كانت جهود باريتو تنحصرفي تحديد مفهوم النُّخبة، وبالتالي التعريف بمهامها الفاعلة في المجتمع موضوعاً مغرياً لإحدى تلميذاته وهي ''ماري كولابنسيكا'' عندما قامت بدراسة أوضاع النُّخب في فرنسا، وتحديداً النُّخب الحاكمة، حيث ركزت عملها على أوضاع الأغنياء والنبلاء والارستقراطيين العسكريين ورجال الدين في محاولة دؤوبة منها لمواصلة مشروع أستاذها في تطوير دراسة النُخب في المجتمع مما فتح شهيَّة عُلماء الاجتماع والسياسة معاً في القرن العشرين لأن يؤكدوا رؤاهم في هذا المجال؛ فقد وضع ''لاسوِل'' كتاباً عنوانه ''الدراسة المقارنة للنُّخبة'' شرح  فيه خصوصية عمل ''النُّخبة السياسية'' التي وجد أنها تختص بـ (الحائزين على القوة السياسية في دولة ما، الذين تنضوي تحتهم القيادة والتشكيلات الاجتماعية التي يأتي القادة منها عادة)  . في حين أعمل ريمون أرون أبحاثه  في كتاب (أفيون المثقفين) دراسة العلاقة بين النخبة والطبقات الاجتماعية مركِّزاً على النخبة الفكرية.

 لا بد هنا من التمييز بين مفهومين  أساسيين هما مفهوم ''النُّخبة السياسية'' ومفهوم ''الطبقة السياسية'' ، ومعنى ذلك أن ''النُّخبة السياسية'' تضم أعضاء الحكومة والقادة العسكريين وفي بعض الحالات الأُسر ذات النفوذ السياسي من الطبقة الأرستقراطية أو من العائلات التي لديها النفوذ  بالإضافة الى مديرو المؤسسات الاقتصادية القوية أما ''الطبقة السياسية'' فإنها تضم النخبات المضادَّة المؤلفة من قادة أحزاب سياسية ليست في الحكم وممثلي مصالح أو طبقات اجتماعية جديدة كالنقابات وفئات من رجال الأعمال ورجال الفكر ممن هم نشطون في الحقل السياسي.

 في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" فإن غوستاف لوبون وهو أحد أهمّ مؤسسي علم النفس الاجتماعي ومؤسّس علم نفسية الجماهير يتحدّث عن النخبة الجيدة والنخبة الفاسدة فالجماهير التي قصدها لوبون في كتابه هي العامة من الشعب وهي الشريحة التي لا تملك القدرة على صنع القرار ولا التحصيل العلمي الفكري الكافي الذي يخوّلها  مهمة  صنع القرار وهي الطبقة القابلة للتفاعل اما سلبيا او ايجابيا فالجماهير هي القاعدة المنفعِلة لجميع الأنماط الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تصب عندها جميع المعطيات.(د.ميرنا داود)

Toyota
Toyota