حروب اعلامية ناعمة

 
آفــاق | المصدر :اينوما - 2021-05-22
الدكتورة ميرنا داوود تكتب عن الحرب الاعلامية
الحرب الإعلامية أصبحت أشد فتكاُ من الحرب العسكرية التقليدية ، فالحرب العسكرية تقتل الإنسان جسداً وتهدم البنيان وتخرب الأوطان ، اما الحرب الإعلامية فإنها تقتل الإنسان فكراً وعقلاً ووعياً ، وتبقيه جسدا لا روح فيه ولا ضمير. مما لا شك فيه ان صناعة الكذب والتضليل الإعلامي له عدة صور منها قلب الحقائق أو التضليل بالمعلومات التي ليس لها علاقة بالحدث  ويلعب الإعلام دوراً خطيراً في حياة الأمم ، ليس في نقل الأخبار والأحداث فحسب وإنما في صياغة وتحديد توجهات الرأي العام ، ومن هنا يصبح التضليل الإعلامي الذي يُمارسه الإعلام حالياً عن طريق التقاط الصورة وسرعة انتشارها بمثابة حرب نفسية تُمارس بحق المتلقّي. إن خلط الأوراق وإثارة الأحداث من وظائف الحرب الناعمة، أي أنها تخلط الحق بالباطل وترفع شعارات إصلاحية وعقلانية وتصل الى قيام العدو بإدعاء مد يد التعاون، وهذا ما يضيع البوصلة الصحيحة للأحداث والقضايا لدى بعض النخب"التنويرية" والجماهير التي لم تدرك بعد أن لعبة الحرب الناعمة التي تنتهجها بعض الدول في ظل الانتشار الواسع لتكنولوجيا الإتصال والإعلام وعصر الانفجار المعلوماتي أصبحت تقوم على معادلة الإقناع الإعلامي وهو غير الإقناع البرهاني والشرعي فالمنتصر والقوي هو من تفوز روايته للأحداث بصرف النظر عن مدى صدقية وشفافية هذه الأحداث.  
وبغرض إحداث أكبر قدر من التأثير السلبي في هذا الإطار، تُفبرك خدعة أساسية تتمثل في وجود  "مطبخ" لصناعة الأخبار يصنع فيه الخبر ليتماهى مضمونًا وصياغةً مع أجندة محددة ، ويخرج الخبر ليعمم على مجموعة من وسائل الإعلام المختلفة  من صحف وقنوات فضائية ومواقع إلكترونية ، وتقوم بترويجه أيضًا مجموعات من الموظفين في هذه القنوات والصحف ، في مواقع التواصل الاجتماعي، فينتشر بسرعة هائلة ويصبح المتلقي أمام تدفق هائل للخبر نفسه من مجموعة كبيرة من وسائل الإعلام ، من دون أن ينتبه الى أن كل وسائل الإعلام هذه تستقي الخبر من جهة واحدة طبخت الخبر وأعدَّته ، أي أنها ليست مصادر متعددة للخبر، بل مصدر واحد بقنوات متعددة ، تسهم كلها في إغراق الناس بالأخبار والمعلومات التي تخدم توجهًا محددًا لهذه الجهة.
 فبركات بالجملة والمفرق ، حدّث ولا حرج نشاهدها كثيراً، وأصبحت جزءاً من حياتنا اليومية ، فما أكثر من إتُهموا جزافاً وتم التدليس عليهم ، وما أكثر من قُوِّلوا أقوالاً لم يقولوها ، وما أكثر الأخبار الكاذبة وما أكثر المعلومات الخاطئة وما على الناس سوى التصديق، فلان قال وفلان أفتى ، علّان قال ولم يقل ، يلتقطون صوراً من المكان الفلاني ويقولون هذه الصورة التُقطت في المكان العلاني ، وما على الناس سوى التصديق. أعداد القتلى بالعشرات ويقولون تخطّوا المئات والعكس صحيح
ومن يتابع الإعلام في السنوات الأخيرة ، بشقيه التقليدي والحديث ، اي شبكات التواصل الاجتماعي ، يجد بأن التطور التقني زاد من إمكانية التضليل والخداع ولم يقلصها أو يحدّ منها ، كما يعتقد البعض، ولم تعد الشكوى في الأغلب من حجب المعلومات أو إخفائها ، بل من سيلها العارم وتضاربها ، إذ يعاني المتلقي من التدفّق الكثيف والمتواصل للمعلومات ، ويصبح ضروريًّا أن يقوم بفرزها إذا كان يريد بالفعل الوصول إلى الحقائق  وهو ما يستدعي بذل مجهود كبير في التحقق والتدقيق والتساؤل حول كل معلومة.
بطبيعة الحال وللاسف الشديد ، لم يكن تطوّر أدوات الاتصال والتوثيق سوى فرصة للتلاعب وذلك عند شريحة كبيرة ممن يعملون في الحقل الإعلامي بالإضافة الى الأشخاص العاديين ، فكاميرات الفيديو التي أصبحت في كل الهواتف النقالة والمقاطع الصادرة عنها ، تمكّن الإنسان العادي أن يصنع الخبر ويحرك الرأي العام بمقطعٍ مصور، مما يدل على أنها تساعد في التضليل عبر الاقتطاع وعدم نقل المشهد كاملًا ، أو بإستخدام المونتاج الذي يوجّه مقطع الفيديو نحو إدانة هذا أو تبرئة ذاك بالفبركة واصطناع أمرٍ غير موجود على أرض الواقع أصلاً. 
ولقد عززت أدوات الاتصال المتطورة وبما لا يقبل الشك فرص التضليل أيضًا ، فشبكات التواصل الاجتماعي مثلًا هي بيئة حاضنة تنضح بشتى أنواع الإشاعات والأكاذيب سريعة الانتشار، وهي إشاعات تشمل مجالاتٍ مختلفة ، لكنها تؤكد ذات الفكرة من أن ثورة الاتصالات يمكن أن تُوَظَّف في التضليل والخداع. وبطبيعة الحال لا يوجد إعلام محايد ، والانحياز أمر واقع ، لكن الموضوعية مطلوبة وأعني بذلك محاولة مقاربة الحقائق بغض النظر عن الانحيازات. 
إن الموضوعية الكاملة لا يمكن تحقيقها ، لكن السعي لأعلى درجة من الموضوعية ركيزة مهمة لأي وسيلة إعلامية ، غير إن "الإعلام العربي" خلال السنوات الأخيرة تمادى في التحايل والتلفيق ، ومع اشتعال ما يعرف بالخريف العربي ، صارت أغلبية وسائل الإعلام أدوات للتعبئة والتحشيد، لصالح خيارات سياسية محددة ، ولم تعد تهتم بنقل الخبر بشكل اعتيادي ، بل بالتعليق على الخبر في أثناء تقديمه ، والتلاعب بالخبر نفسه لخدمة التوجه الذي تتبنّاه وبما يتوافق مع سياسة القناة الإخبارية.
المشكلة الكبيرة تكمُن في افتقار المُتلقّي إلى إمتلاك آلية يستطيع من خلالها التحقق من صحة ما يتلقاه ليل نهار من معلومات لتسهّل عليه رسم خارطة معلومات تُؤثر على قراره وسلوكه وتوجهاته ، كي لا يصبح فريسة سهلة لهذه الممارسات. وبالنظر إلى حجم من يقف وراء نشر تلك المعلومات، التي قد تصل أحياناً إلى أجهزة مخابرات دول بأكملها ، فضلاً عن الأهداف التي تسعى لتحقيقها ، كان البحث عن وسائل كشف هذا التضليل غاية ينشدها مستخدمو العالم الرقمي بشتى وسائله.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة الآن هو: كيف يمكن للمُتلقي التحقق من صحة ما ينشر عبر وسائل الإعلام الجديد؟ وما هي الآليات التكنولوجية المتاحة لكشف زيف بعض ما يُنشر سواء كان كلاماً مكتوباً أو صور أو مقاطع  مرئية؟ هناك عدة اساليب تكشف صدق الخبر من عدمه ، مثل التحقق من صدقيّة الصفحات التي تنشر المادة وهل هي حسابات وهمية أو صحيحة ، وتحديد هوية الشخص الذي قام برفع الخبر على الإنترنت ، خاصة أن المعلومات المنشورة بدون مصدر تفتقد الى المصداقية ، ومتى تم نشر الخبر وفي أي مكان نُشر الخبر وتعمم بسرعة البرق وهكذا.
 أخيراً أود ان اذكر أن التضليل الإعلامي ليس وليد اللحظة ، فهو أولاً وأخيراً مخطط تلجأ إليه الحكومات لحشد الرأي العام حيال قضايا بعينها ، أو تشكيل الوعي الجمعي نحو توجّه معين يخدم مصالح تلك الحكومات، وهذه إستراتيجية قديمة ولكن متجددة وأثبتت فعاليتها وخصوصاً إذا اقترنت بطابور خامس يجيد التطبيل والتزميرعندئذ تحصل على ثنائية من قلة الأخلاق والوعي..!(د.ميرنا داود)
Toyota