قانون الشراء العام بعدما شوّهه المجلس الدستوري: رؤية جديدة تشوبها مخاطر كثيرة

 
مقالات مختارة | المصدر :المفكرة القانونية - 2021-09-24
بتاريخ 19/7/2021، صدر قانون الشراء العامّ الذي أقرّه مجلس النوّاب في 30/6/2021 من دون أي نقاش يذكر بشأن مضمونه. ويُعدّ هذا القانون أحد أبرز القوانين المُطالب بها دوليّاَ وبخاصّة في إطار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. فخلال العقود الأخيرة، شكّلت صفقات الشّراء العام مدْخلاً أساسيّاً للفساد في لبنان بفعل انعدام المنافسة والنقص في الشفافية وفق ما أوْضحتْه المفكّرة في مقالٍة سابقة.

"وهذا ما ساهم في جعْل البلد في المرتبة 149 من بين 180 دولة، حسب درجة الفساد في القطاع العام، وفقاً لمؤشّر مُدركات الفساد لعام 2020. وكان النائبان ميشال موسى وياسين جابر قدّما اقتراح القانون الذي تمّ إقراره بتاريخ 6/11/2019 بناءً على تصوُّر المعهد المالي الاقتصادي الجديد لمنظومة الشّراء العام. ويقوم هذا التصوّر على إجراء الصّفقات بصورة لا مركزيّة، فيما تتولّى هيئة مركزية تنظيمها وفق مبادئ عامّة موحّدة وإحكام الرقابة عليها.

 

وتهدف هذه المقالة إلى مناقشة أحكام هذا القانون، في إيجابياته كما في سلبياته، ومدى ملاءمته للوضع اللبناني. كما تتطرّق المقالة إلى الطعن بدستورية القانون الذي قدّمه نوّاب كتلة لبنان القوي بتاريخ 12/8/2021 والقرار الذي انتهى إليه المجلس الدستوري في 15/9/2021 في هذا الشأن. 

 

تصوُّر جديد لكيفية إجراء صفقات الشراء العام

اعتماد لا مركزيّّة قرار الشراء انطلاقاً من فكرة أنّ الإدارات أفضل من يقدّر حاجاتها 

 

حسم قانون الشراء الجديد كيفية إقامة صفقات الشراء العام: فحدّد الجهة الشارية أو سلطة التعاقد وولّاها سلطات القيام بمهامها في ما يتعلّق بإجراءات الشراء ومنها وضع آليات لدراسة وتقييم وتحليل حاجاتها الشرائيّة ووضع آليات واضحة لإعداد دراسات السوق وإعداد ملفات التلزيم وإتاحتها. بذلك يكون قد كرّس لا مركزيّة الشراء، خلافاً لما ذهب إليه القانون الحالي والذي أناط بإدارة المناقصات المركزية مهمّة إجراء المناقصة العمومية لجميع الإدارات العامّة للدولة. وفي حين أنّ اختيار اللا مركزية لا يشكّل بحدّ ذاته أمراً إيجابياً أو سلبياً، يفترض نجاحه بالضرورة وجود رقابة مركزية فاعلة وتطبيقاً سليماً للضوابط القانونية، وهو أمر لا يتّصل فقط بمضمون القانون إنما أيضاً بالتطوّرات الحاصلة في بنية الدولة ومؤسّساتها وبخاصّة المؤسّسة القضائية.   

 

اعتماد مركزية التنظيم والرقابة

 

في مقابل لا مركزيّة الشراء العامّ، سعى المُشرّع إلى تعزيز مركزيّة الرقابة، بعدما استبدل إدارة المناقصات بهيئة الشراء العامّ. وقد سعى إلى تحصينها حيال التدخّلات من خلال جعلها هيئة إداريّة مستقلّة تتمتّع بالشخصيّة المعنويّة والاستقلاليْن المالي والإداري من دون أن تخضع لأيّ وصاية ولو إدارية. وبذلك، يكون المشرّع قد أنشأ الهيئة المستقلّة الرابعة من هذا النوع بعد الهيئات الوطنية الثلاث الأخرى، وهي تباعاً هيئة حقوق الإنسان وهيئة المفقودين والمخفيين قسراً وهيئة مكافحة الفساد. وتتولّى هذه الهيئة تنظيم الشراء العام والإشراف عليه ومراقبته وتطوير إجراءاته ونظمه وأدائه كما التنسيق بين مختلف الجهات الشاريّة وتقديم المساندة الفنيّة. ومن أهم الصلاحيات المؤثرة في هذا الإطار: 

 

جمع خطط الشراء السنوية الواردة من الجهات الشارية وفق نموذج موحّد يصدر عنها وتبويبها ونشرها وفق الأصول على المنصّة الإلكترونية المركزيّة، 

وضع لوائح الموظفين المؤهّلين للاشتراك في لجان التلزيم والاستلام بعد استبعاد مجمل الموظفين الملاحقين والمعاقبين. وعليه، يكون على الجهة الشارية تشكيل لجانها من الأسماء الواردة على هذه اللوائح حصراً،

منح الهيئة الصفة والمصلحة في الطعن في القرارات المرتبطة بعمليّة الشراء.

توحيد مبادئ الشراء العام

 

من أجل ضمان ممارسة سليمة للشراء العام، حاول القانون الجديد إرساء معايير عامّة موحّدة تعزّز من فعالية الشراء العام أبرزها الشمولية والشفافية والمنافسة والنزاهة والاستدامة والسياسة التنموية.

 

الشمولية: إخضاع كلّ الصفقات لقانون الشراء العامّ

بحسب القانون، باتت جميع صفقات القطاع العامّ خاضعةً لقانون الشّراء العامّ الجديد. وهو ما عرّفته الأسباب المُوجبة بالميزة الشاملة. يشكّل هذا التعديل خطوةً إيجابيّةً حيث تمّ توحيد الإطار القانوني لعمليات الشراء العامّ بعد أن كانت تنحصر من قَبل بالصفقات التي تجريها الإدارات العامّة التابعة للدولة، من دون أن تشمل الصفقات الحاصلة من سائر أشخاص القانون العام أو أيضاً الشركات المملوكة من هؤلاء. ولإدراك أهمية هذه الميزة، يجدر التذكير بالصفقات التي تجريها شركتا الخليوي المملوكتان من الدولة، واللتين لا تزالان حتى الآن بمعزل عن أي تنظيم عامّ بحجّة أنهما ليستا من الإدارات العامّة للدّولة. 

 

إلّا أنّه يقتضي في هذا الخصوص انتقاد المادة 3 من قانون الشراء العامّ التي تستثني من أحكام هذا القانون أيّ شراء يهدف إلى منح التزام أو امتياز لاستغلال أحد موارد ثروة الدولة الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة عامّة أو أي احتكار، إلّا في ما يتعلّق بالإجراءات التي تسبق منح الامتياز أو الاحتكار. وفي حين يفهم استثناء منح الامتياز طالما أنّه يتمّ بموجب قانون سنداً للمادة 83 من الدستور إلّا أنّه لا يفهم سبب استثناء صفقات الشراء بعد منح الامتياز.

 

تكريس قاعدة إجراء الشراء العام بطريقة المناقصة العمومية 

نصّت المادة 42 من القانون أنّ الشّراء العام يتمّ بشكل أساسيّ بواسطة المناقصة العمومية، إلّا في حالاتٍ معيّنة نصّت عليها المادة 41 حيث يمكن إجراء الشراء العام بواسطة طرق أخرى هي المناقصة على مرحلتين وطلب عروض الأسعار، وطلب الاقتراحات للخدمات الاستشارية، والاتفاق الرضائي والشراء بالفاتورة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ قانون المحاسبة العموميّة كان نصّ على هذا المبدأ وفق ما ذّكر به مراراً رئيس إدارة المناقصات جان عليّة في العديد من مطالعاتِه وأنّ الجديد هنا لا يكمن في إعلان مبدأ إجراء الصفقات بواسطة المناقصات العمومية، بل في توسيع إطار هذا المبدأ ليشمل مجمل الصفقات في القطاع العام بفعل الشمولية وفق ما ذكرناه أعلاه. 

 

وقد أخضع القانون الحالات التي يمكن اللجوء فيها إلى الاتفاق الرضائي وبخاصّة في الاتفاقيات المتعلّقة بالأمن، لضوابط إضافية. فقد اشترط لصحّتها موافقة مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختصّ بعد أن كان هذا الأخير يقرّر ذلك. بالمقابل، تجدر الإشارة إلى أنّ القانون لم يفرض سقوفاً على الصفقات بالتراضي رغم إساءة استعمال هذه الصيغة تحديداً للتهرّب من إجراء المناقصات العامّة. كما فرض القانون على الجهة الشارية في حال تعذّر استخدام صيغة المناقصة العمومية أن تصدر قراراً صريحاً ومعلّلاً يتمّ إدراجه في السجل المنصوص عليه في المادة 9 من القانون مع بيان الأسباب والظروف. إلّا أنّ هذه الإضافة تبقى غير مجدية في ظل الصفقات السرّية، حيث تبقى الاتفاقية كما تعليلها سرّية. 

 

المنافسة 

في حين أنّ هذا القانون اشترط زيادة المنافسة إلى أقصى حدّ ممكن في حال تعذّر اعتماد المناقصة العمومية، فإنّ مفهوم المنافسة لا يزال بلا تعريف واضح في القانون اللبناني، في ظلّ تقاعس المجلس النيابي عن إنجاز اقتراح قانون المنافسة. ومن شأن هذا الأمر أن يؤدّي إلى فوضى قضائية مع غياب الأمثلة ويفتح المجال للاستنسابيّة في التعاطي.

 

الشفافية 

يحاول القانون الجديد في مادته 109 تكريس الشفافية إلى أقصى حدّ حيث يفرض على الجهة الشارية موجب نشر خططها وتفاصيل تطبيقها بما في ذلك سير عمليّة الشّراء وإجراءات تلزيمها وعقدها ونتيجة استلامها وتنفيذها وقيمتها النهائية، وذلك وفق أحكام هذا القانون والمراسيم التطبيقية. تجمع البيانات الخاصّة بالشراء العامّ، على المستويات كافّة وفق أحكام القانون في قاعدة بيانات مركزية تنشأ لهذه الغاية لدى هيئة الشراء العام كجزء من المنصّة الإلكترونية المركزية. يتاح الوصول المجاني إلى المعلومات الخاصّة بالمشتريات العامّة من خلال المنصّة الإلكترونية المركزية. ويكون الوصول إليها متاحاً مجاناً للمواطنين والمعنيين. ولا يحدّ النشر إلّا ما كان سريّاً وفق المادة 6 من القانون. وهو أمر سنعود إليه أدناه في سياق عرض مخاطر القانون أو سلبيّاته. 

 

بالإضافة إلى ذلك فقد انتقدت بعض منظّمات المجتمع المدني من بينها “المفكرة القانونية” خلال ورشة عمل منظمة من المعهد المالي، عدم وجود سجل يبيّن المستفيدين الحقيقيين لكلّ شركة بما يسهّل كشف تضارب المصالح المخالفات من دون أن يلقى آذاناً صاغية رغم أهمية هذا الاقتراح في ظل الفساد المستشري.

 

النزاهة  

على عكس المبادئ السّابقة، وضع القانون آليّة لتعريف النزاهة ومعرفة الممارسات النّزيهة التي فرضت المادة 110 احترامها. وقد فعل ذلك من خلال إعطاء مثال عن ممارسة غير نزيهة، مثل إفشاء أو استخدام معلومات حصل عليها أي موظف بمعرض القيام بعمله. كما فرض عليهم الالتزام بمدوّنة السلوك والتدريب التي تحضّرها هيئة الشراء العامّ على أن تستبعد كلّ من يخالف محتواها والتي ستعرف النزاهة. وفرضت عقوبات جزائية من حبس وغرامات على من يفشي أو يستخدم معلومات استحصل عليها بمعرض القيام بوظيفته.

 

الاستدامة والسياسات التنموية    

كذلك سلّم القانون في أسبابه الموجبة بأهمية إجراء صفقات الشراء العامّ بالانسجام مع السيّاسات التنموية ومتطلّبات التنمية المستدامة، بما يتوافق مع الممارسات الدولية الجيّدة المعتمدة حول العالم، ومنها تحفيز المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة على دخول سوق الشراء العام وتشجيع الإنتاج المحلّي والمنافسة والابتكار وتقليص الأثر البيئي وأيضاً تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها في الاتّفاقات الدوليّة ووفقاً للأولويّة الوطنية. ويهدف القانون من خلال ذلك إلى تحقيق التّوازن بين هذه المنافع المُحتملة والحرص على تحقيق القيمة الفضلى من إنفاق المال العام. وفي هذا الإطار، ونظراً للامتيازات التي يعطيها هذا القانون للمؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة يفترض التّشديد على سجلّ المستفيد الحقيقي (beneficial owner) ومحاولة إيجاد تعريف أو إطار يحدّد مفهوم الاستدامة.

 

مخاطر التصوّر الجديد وثغراته

رغم أهمية التصوّر المشار إليه أعلاه، فإنّ نجاحه في الحدّ من الفساد وترشيد الإنفاق العام يبقى مهدداً بعاملين أساسيين: أوّلاً، المجال الواسع الذي تشمله السرّية بما يناقض مبدأ الشفافية ويوسّع مجالات الحدّ من فعالية الرقابة عليها، وثانياً، الهامش المتروك للسلطة التنفيذية في التأثير على أداء المؤسّسات المُنشأة لتطبيق هذا القانون من خلال لعبة التّعيينات التي غالباً ما تتمّ وفق المحاصصة، أي وفق المعادلة نفسها التي يخضع لها اقتسام صفقات الشراء العامّ أو أيضاً من خلال الخلل المؤسّساتي سواء في الإدارات العامّة أو القضاء.  

 

السّرية التي تنهش مبدأ الشفافية 

 

بعد تكريسِه مبدأ الشفافيّة، عاد القانون الجديد ليسمَح بسريّة المعلومات في خمس حالات، منها ما هو اعتيادي وهي تحديداً المعلومات التي من شأن نشرها تهديد المصالح الأمنية الرئيسية للدولة، ومنها ما يفتح هامشاً واسعاً أمام الحدّ من الشفافية، وهي المعلومات التي يخالف إفشاؤُها القانون أو تعيق تنفيذه أو التي تمسّ المصالح التجارية المشروعة للمعارضين أو التي تعيق التنافس المُنصِف. 

 

فمن المُفاجئ بمكان في ظلّ إقرار مبدأ الشفافية الحديث عن سريّة “المعلومات التي يخالف إفشاؤها القانون أو تعيق تنفيذه” من دون تحديدها أو وضع تعريف ضابط لها بل حتى من دون إعطاء أي أمثلة عليها. فكأنّما يُفتح الباب للأجهزة المطبِّقة للقانون أو للمشاركين في الشراء العامّ أن تدّعي عدم جواز نشر معلومات لم تُسْتثنَ صراحة من النشر تحت هذه الحجّة. وهذا الأمر يناقض إعلان مبدأ الشفافية والذي يفترض أن يكون نشر جميع المعلومات المتّصلة بالشراء العام هو المبدأ الذي لا يحدّه إلّا استثناءات واضحة ينصّ عليها القانون صراحة ومن دون أي غموض. بمعنى أن نشر هذه المعلومات يكون شرطاً لضمان تطبيق القانون. الأمر نفسه بما يتّصل بالمعلومات التي يعيق نشرها التنافس المنصف والتي هي أيضاً بقيت من دون تحديد، وهو استثناء يتعارض أيضاً مع مبدأ الشفافية الذي يبقى أهمّ عنصر لتأمين المنافسة. 

 

وفي حين أنّ المحافظة على الأسرار التجارية مهمّة في صفقات الشراء، فإنّه يقتضي هنا أيضاً تعريفها بشكل ضيّق منعاً لاستخدامها لتوسيع نطاق السرّية، وبخاصّة في الدول التي ترتفع فيها نسبة الفساد كلبنان. وما يزيد من قابلية هذا الاستثناء للنقد هو أنّ المشرّع استخدم عبارة المصالح التجارية بدلاً من الأسرار التجارية، بما يفتح الباب أمام تأويل واسع للقانون. وقد بدا المشرّع من هذه الزاوية وكأنّه أكثر حرصاً على مصالح العارضين من مصلحة الدولة. 

 

وما يخفّف من حدّة هذه الاستثناءات، هو تخويل القضاء المختصّ، بموجب المادة 6 التي تعدّد حالات السرّية، الأمر بإفشاء المعلومات الخاضعة للسرّية. إلّا أنّ الصعوبة الأساسية تتمثّل بمعرفة وجود هذه الصفقات أصلاً بخاصّة في حال أضيفت على العقد برمّته صفة السرّية.

 

حوكمة الشراء العام رهن المحاصصة وإصلاح المؤسّسات الإدارية والقضائية؟ 

 

بالإضافة إلى مجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة، أُضيفت بموجب هذا القانون هيئتان إلى نظام حوكمة الشراء العام هما هيئة الشراء العام وهيئة الاعتراضات فيما أُلغيَت إدارة المناقصات بعدما تم دمج جهازها ضمن ملاك هيئة الشراء العام، مع اعتبار رئيسها رئيساً للهيئة. ورغم أهمية إنشاء هاتين الهيئتين الجديدتين، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرتِهما على التّحرّر من الهيمنة السياسية ومنطق المُحاصصة السّائدين في القطاع العام، وهو شرط لنجاحِهما في أعمال الرقابة المركزية وتالياً في ضمان تحقيق القانون أهدافه المعلنة. وفي حين يتبيّن من النص القانوني مسعى واضح لتطوير آلية التعيينات في هاتيْن الهيئتيْن تفادياً للمحاصصة، فإنّ مخاطر المُحاصصة في التعيينات تبقى قائمة، وبخاصّة في إثر القرار5/2021 الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 17 أيلول 2021 التي مسّت بالعديد من الضمانات المتعلّقة بتعيين أعضاء الهيئتين وهو ما سنحاول تبيانه.

 

كيف تمّ تقليص ضمانات استقلالية هيئة الشراء العام    

في هذا المجال، أدخل القانون الجديد ثلاث ضمانات لاستقلاليّة هيئة الشراء العام:

 

الضمانة الأولى: تعيين رئيس إدارة المناقصات جان عليّة رئيساً لهيئة الشراء العام بعد دمج جهاز هذه الإدارة ضمن ملاك الهيئة. وقد شكل هذا التعيين الحاصل بفعل القانون ضمانة، بالنظر إلى مواصفات عليّة المشهود له بنزاهته. 

 

الضّمانة الثّانية: أصول تعيين رئيس الهيئة وأعضائها الأربعة. فقد وضع القانون أنّ ملفات المرشحين لملء هذه المراكز يتمّ تنقيطها من لجنة مؤلّفة من رؤساء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، أي من رؤساء أبرز الهيئات الرقابية. وتدعيماً لهذه الضمانة، نصّ القانون أن رئيس مجلس الوزراء يقترح أسماء الناجحين لكل منصب وفقاً لترتيب علاماتهم على مجلس الوزراء (المادة 78). ويفهم من ذلك أنّ اختيار المرشحين الحائزين على أعلى علامة يتمّ من اللجنة المكوّنة من رؤساء الهيئات الرقابية، على أن تكون من ثم صلاحية رئيس مجلس الوزراء والمجلس نفسه مقيّدة.   

 

الضمانة الثالثة: وضع ضوابط منْعاً للتّعسّف في عزل رئيس الهيئة وأعضائها.  

 

ورغم محدودية هذه الضمانات في ظل المحاصصة الحاصلة في تعيين رؤساء الهيئات الرقابية المذكورة أعلاه، انتهى القرار الصّادر عن المجلس الدستوري إلى تقليصها على نحو يزيد من مخاطر المحاصصة. وقد تمّ ذلك من خلال توجّهين: 

 

الأوّل، أنّه اعتبر أنّ النص غير واضح لأنّ البند “ي” من المادة 78 بالشكل الذي صيغ به يشوبه بعض الغموض ويثير الالتباس حول ما إذا كان رئيس مجلس الوزراء يرفع جميع أسماء الناجحين ويقترح المقبولين منهم لكل منصب وفقاً لترتيب العلامات أم أنّه يرفع فقط أسماء الذين يقترحهم، ويقتضي إزالة هذا الالتباس لتحصين النصّ بتفسيره أنّ رئيس مجلس الوزراء يرفع جميع أسماء الناجحين ويقترح المقبولين منهم لكل منصب بحسب ترتيب العلامات، عملاً بمبدأ التحفّظات التفسيرية”. وبذلك، انتهى المجلس الدستوري إلى نقض الصلاحية المقيدة لمجلس الوزراء بتعيين الحائزين على الترتيب الأعلى، في اتجاه إعطائه صلاحية تعيين أي من الناجحين مع ما يتيحه ذلك من هامش مساومات ومحاصصة.

 

الثاني، أنّه اعتبر أنّ تعيين رئيس إدارة المناقصات رئيساً للهيئة هو تعيين مؤقت بمعنى أنّه يكون لمجلس الوزراء عند تعيين سائر أعضاء الهيئة أن يعيّن رئيساً جديداً بدلاً عن عليّة. وقد جاء هذا القرار تبعاً للطعن المقدّم ضدّ دستورية القانون بكون المادة 88 بتعيينها مدير عام المناقصات رئيساً لهيئة الشراء العام تتعارض مع أحكام المادة 65 من الدستور، التي تنيط بمجلس الوزراء صلاحية تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها يشكّل تعدّياً على الدستور. وبدل أن يُبطل المجلس التعيين، تدخّل هنا أيضاً لتفسير النص على نحو يجعلُه وفقاً له، موافقاً للدستور، أي من خلال القول إنّه تعيين مؤقّت يجد مبرّره فقط بضمان استمرارية المرفق العام بانتظار الانتهاء من تعيين رئيس جديد للهيئة. وبذلك، يكون المجلس الدستوري ألغى الضمانتين الأخريين: الأولى تعيين شخص مشهود له بنزاهته رئيساً للهيئة، والثانية تمكين مجلس الوزراء من تغييره من دون أن يتوفّر أي من مبرّرات العزل الموضوعة قانوناً.  

 

كيف تمّ تقليص ضمانات هيئة الاعتراضات: 

تماماً كما حصل بخصوص هيئة الشراء العام، حصل بخصوص هيئة الاعتراضات. ففي حين أخضع القانون تعيين أعضائها للآليات نفسها المحدّدة لتعيين أعضاء هيئة الشراء العامّ، اعتبر القرار الدستوري هنا أيضا أن صلاحيّة مجلس الوزراء ليستْ مقيدة بالمرشّحين الحائزين على العلامات الأعلى، بل أنه يتمتع بهامش تعيين أيّ من الناجحين. وما يزيد من مخاطر المحاصصة في هذا الخصوص، أنّها تتولّى صلاحيّات هامّة في بتّ النزاعات والشكاوى مما يوجب تمتّعها بضمانات استقلالية وفق ما أكّده المجلس الدستوري؛ وهي ضمانات تقلّصت بشكل محسوس بفعل قرار الدستوري. 

 

أي إصلاح للإدارات والمؤسّسات القضائية؟ 

أخيراً، يبقى أن نجاح التصور يتوقّف على أمرين متكاملين: (1) غلبة حسن النيّة والكفاءة لدى الإدارات الشارية والتي يتعيّن عليها القيام بإجراءات الشراء بنفسها بحجة أنها الأعلم بحاجاتها، و(2) قوة النظام الرقابي والقضائي وقدرته على التصدّي للتعسّف والمُخالفات الحاصلة في مجال الشراء العامّ. لكن للأسف، لا الأوّل ولا الثاني متوفران في النظام اللبناني الحالي، مما قد ينعكس سلباً على إمكانية تطبيق القانون تطبيقا سليما. فعدا عن أنّ الإدارات الشارية تحتاج في غالبها إلى إصلاحات عميقة وصولاً إلى تغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، فكذلك ديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة. وتجدر الإشارة إلى  أن “المفكرة القانونية” وثّقت في عدد خاصّ مجمل المشاكل التي يعاني منها، وهي مشاكل كبيرة جداً. ولربما كان من الأفضل في ظلّ وضعٍ كهذا أن تتولّى هيئةُ الشّراء العامّ مركزة الصّفقات العامّة، على الأقلّ الصّفقات مرتفعة القيمة، بانتظار أن تنجح الدولة اللبنانية في تحقيق إصلاحاتها الإدارية والقضائية. أما أن نباشر العمل بهذا التصوّر في غياب هذه الإصلاحات، فتلك مجازفة قد تؤدي إلى التقليل من الفوائد المرجوة من القانون. فلنتابع…"

 

Toyota
Toyota