أي تغيير تسعى إليه جمعية "لايف"؟

 
تقارير | المصدر :اينوما - 2021-12-02
لاشك أن الظروف المزرية التي يرزح لبنان تحت ثقلها تشكّل بيئة حاضنة لإرادة التغيير شعبياً ومسرحاً للتغييرين الذين يملكون وسائل خوض هذا المضمار بضخ أموال المتمولين وإدارة تسونامي غضب المواطنين اللبنانيين نتيجة سوء الأحوال والأهوال فيسهل على المتمولين حفر قناة يهرع إليها الهاربون من بطش هذه المنظومة من دون أن يدركوا مخاطرها أو أن يدروا إلى أين تؤدي هذه القناة.

أخطر ما يواجهه اللبنانيون في هذه الظروف هو التوجّه إلى المجهول، أي مجهول، هرباً من معلومٍ أطاح بكل آمالهم وأحلامهم ويكاد أن يطيح بحياتهم، والخطر يكمن هنا في أن تذهب تضحيات اللبنانيين هباءً مع وجود مجموعات وجمعيات جاهزة للإستثمار في مآسي اللبنانيين تنفيذاً لمشاريع مشبوهة، فينقلونهم من تحت "المزراب" إلى تحت "الدلفة" الأقل وطأة وغرقاً فيما المطلوب أن يبلغ الشعب شاطئ الأمان لالتقاط أنفاسه وإعادة تكوين حياته وآماله من خلال إعادة تكوين فعلي لسلطة تقوم على نقيض وأنقاض نهج المنظومة المتسلطة لا استبدالها بمنظومة أقل تسلّطاً فيُلدغ المؤمن من الجحر مرتين. 

لا يمكن للشعارات الجامدة والعبثية أن تشكّل مخرجاً واقعياً فالأوطان لها نظمها وأسسها ومبادئها وهي قائمة أولاً على وحدة المعايير على أساس المواطنة والفصل السليم بين القمح والزؤان، وكل انطلاقة لا تأخذ هذه المفاهيم في الحسبان هي خارج حسابات الإنقاذ والتغيير ولا تؤدي إلى ما يحتاجه اللبنانيون. 

هذه المبادئ العامة لا تحتمل التلاعب والتحايل من خلال البحث عن موطئ قدم مثلما هي حال جمعية "لايف" التي تتخذ من المساعدات واجهة لنشاطها فيما يتلطى خلفها مجموعة من رجال الأعمال يتمركزون في واشنطن ولندن بشكل رئيسي ويعمدون من خلال جمعية "لايف" إلى التسلل إلى الحياة السياسية اللبنانية مع ما يحمله هذا النوع من النشاطات من أهداف مريبة. 

باشرت جمعية "لايف" خطواتها العملية في التحضير للإنتخابات النيابية اللبنانية بشعار التغيير السياسي بدعم غير محدود لمجموعة "كلنا إرادة" بعد فشلها في فتح قنوات التواصل مع منصة "نحو الوطن" وقد يكون ذلك ذلك بتنسيق مباشر مع السفارتين الأميركية والفرنسية في بيروت في مرحلة تشهد مفاوضات دولية حول المنطقة والحلول المقترحة للأزمات سواء المتعلقة بالملف النووي الإيراني ومتفرعاته والصراع العربي-الإسرائيلي وتداعياته. 

هذا التغيير المزعوم تدحضه وقائع السعي له من خلال التكافل والتضامن مع بعض الشخصيات من أمثال النواب المستقيلين نعمة افرام، ميشال معوض وسامي الجميل رئيس الكتائب، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النائبين افرام ومعوض ساهما إلى حد كبير بتكبير حجم تكتل "لبنان القوي" من خلال التحالف معه والجلوس إلى طاولته مدة عامين حيث وافقوا على قراراته وممارساته التي أوصلت لبنان إلى "جهنم" وذلك مقابل حصص ومكاسب وخدمات تبقى رخيصة أمام هول المآسي، ولم يستقيلا من التكتل إلا بعد انطلاقة ثورة "١٧ تشرين" من دون تسجيل أي اعتراض أو تحفّظ على المسار الإنحداري قبل ذلك، وذلك في محاولة لركوب موجة الثورة متخلّين عن مركب التيار الوطني الحر. 

أما التعاون مع الشيخ سامي الجميل فيطرح سؤالاً آخر حول معايير التغيير سيما أنه رئيس حزب شارك في السلطة منذ نشأته وتمثّل في جميع الحكومات قبل الطائف وبعده وحتى في حقبة الوصاية السورية كان مشاركاً في السلطة، وأكثر من ذلك، فالجميل الإبن يحمل إرث الجميل الأب الذي تولى رئاسة الجمهورية وشهدت ولايته منذ بدايتها وحتى نهايتها ممارسات وشبهات وقرارات ما زالت مؤثرة سلباً على لبنان حتى جحيمنا هذا. 

 

أما إذا  كان معيار التغيير هو تغيير السلوك لقوى سياسية متواجدة على الساحة اللبنانية، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو عن موقع "القوات اللبنانية" ليس في المشاركة في التغيير فحسب، بل قيادته إذا أخذنا في الإعتبار مسألة الأحجام، من دون الإنتقاص من أحد، ولكن القوات تملك قوة شعبية وتنظيمية قادرة على خلق موجة شعبية كبرى، فلماذا لا تعمد جمعية "لايف" إلى التواصل مع هذه القوة السياسية المشهود لها بالنزاهة والكفاءة والوطنية ولم تجلس يوماً إلى طاولة جبران باسيل لا بل تعرّضت للعزل والمضايقة والإستبعاد من سائر أطراف المنظومة، وهي غير متهمة بالفساد وقدّمت تجارب نيابية ووزارية ناجحة، إضافة إلى النتائج البارزة التي حققتها منفردة مؤخراً في الإنتخابات الطالبية في ظل غياب الشخصيات المذكورة أو وجودها المتواضع، وهذا ما يثبت قدرة القوات على مواجهة المنظومة وحجم الثقل الشعبي الذي تتمتع به. 

 

يدفعنا الإتجاه الذي تسلكه جمعية "لايف" إلى الظن الذي لا يحتمل أي إثم بأن الهدف هو إيجاد شخصيات يمكن التحكّم بها لتمرير مشاريع تناسب مصالحها المالية والسلطوية وأهدافها المشبوهة فتعطي علناً فوق الطاولة وتأخذ سراً تحت الطاولة، وهذا ما لا يمكن أن توافق عليه تحت أي ظرف قوة وازنة وفاعلة مثل "القوات اللبنانية" التي تشكّل رافعة لقوى المعارضة السيادية الحقيقية، ولو كانت نوايا جمعية "لايف" سليمة لكانت القوات على رأس قائمة المتعاونين بها.

Toyota