عن العم ميشال والعم فريد وخطاب العصر من القصر

 
لكل مقام مقال | المصدر :اينوما - 2021-12-29
فيما كان فخامة العماد يلقي خطاب العصر من القصر، كان العم فريد، الكهل السبعيني المشرّد، يلفظ أنفاسه في سيارته القديمة التي اتخذها مسكناً له منذ شهرين في منطقة المكلّس. مات العم فريد برداً وجوعاً ومرضاً *. ثلاث آفات أثقلت قلبه الضعيف فرفع للموت عَشرته. مات العمّ من دون أن يتسنى له أن يسمع خطاب سيد بعبدا عن صلاحيات الرئاسة، ولم يشنّف أذنيه بتساؤلات الرئيس البريئة عمّن يعطّل، ويمنع، ويحول، ويفركش خططه في المحاسبة ومحاربة الفساد والتدقيق الجنائي وغيرها من التراندات المعلوكة لزوم النفاق السياسي.

لم يستحِ الرئيس ولم يتأتيء، حين لبس فجأةً وغبّ الطلب، ثوب المصلح السياسي، داعياً في الهزيع الأخير من ليل عهد القهر العميق، إلى "طاولة حوار" بين مجموعة الذئاب أنفسهم. ويكمل بأن يستلّ من جيبه فجأة ما أبهر اللبنانيين الذين شاهدوا بأمّ العين، أرنب "الاستراتيجية الدفاعية"يقفز من جيبه وينطنط أمام أنظارهم، غير مصدّق هو نفسه (الأرنب) أنّ أحداً سيوقظه من سباته العميق، ليرميه في مزاد البيع والشراء الانتخابي! ولم لا؟ فـ"لِعيون الصهر المدلل تِكرم مرجعيون" ولا بأس ببعض الشعارات المدغدغة للمشاعر السيادية لتعويم الصهر الساقط على كل المستويات، وليذهب الشعب المسحوق الذي يغرق مع كل طلعة شمس في الرمال المتحركة للفقر والجوع والإذلال من دون أن يرفّ لأحد من "المنظومة" جفن.  

عفواً هل قلت المنظومة؟ نعم المنظومة التي يشكو من جشعها وتوحّشها معظم اللبنانيين ويحتقرون أركانها، تفوّه بها رئيسنا المستقوي بسلاح حزب المئة ألف مقاتل، في معرض التذمّر من إفشال برنامجه التغييري للنهوض والإصلاح! نسي صاحب الفخامة أنه يتربع منذ خمس سنوات ونيّف في رأس هرم سلطة المنظومة إياها، وأنه شريكٌ مضاربٌ فيها، ليتلبّس بسحر ساحر، ثوب الجنرال المعارض المنادي من قصر الشعب:"يا شعب لبنان العظيم"!!

أي والله العظيم... وهل أعظم من شعب يتعرض لعوامل التعرية على أنواعها فيما مسؤولوه منشغلون عن إنقاذ ما يمكن من بقايا الهيكل، بالنكايات السياسية الرخيصة، وبتعطيل دور المؤسسات بتجبّر منقطع النظير، وبتصفية الحسابات القذرة فيما بينهم؟ لقد نجحت طغمة الفساد والاستبداد في صرف أنظار الناس عن ارتكاباتها المتمادية، وفي إخماد حس التمرد في نفوسهم، بأن جعلت في بيت كل مواطن لبناني همّاً مقيماً، وهو همّ الاستمرار بالحدّ الأدنى من متطلبات البقاء ليس إلا. فيما تطلّ حالة العم فريد، الذي لا بيت يؤويه، ولا وزارة تحميه، رمزاً لمواطن أرهقته أثقال التدهور المعيشي حتى أرْدَتهُ كما أردت غيره انتحاراً أو حرقاً. 

مات الرجل الطيّب عزيزاً في نفسه، مُستذَلاً في عيشه. هو استحى أن يمدّ يده من شباك سيارته ليستعطي لأنّ في نفسه فيض كرامة يفتقد إليها غيلان السلطة. ولم يفكر أن يسرق ليأكل رغم أنه في عقر دار لصوص النهب المصرفي والسياسي المحصّنون ضد المحاسبة. بيد أنّ أكثر ما أخافني وأقلقني في مشهدية الرجل، أني رأيت فيه صورة بلد بأكمله يُحتضر على قارعة الطريق، وتجار الهيكل يقترعون على ما تبقّى من ثيابه! 

*من تقرير مصور للمراسل الصحافي آلان درغام عرض في نشرة أخبار الأم تي في مساء 27 ك1 2021

Toyota